أَن رَجلاً شَرِبَ من سِقاءٍ ؛ فانْسابَتْ في بَطنِه حَيَّةٌ ، فَنُهِيَ عن الشُّرْبِ من فَمِ السِّقاءِ ، أَي دخَلَتْ وجَرَتْ مع جَرَيانِ الماءِ .
يقال : سابَ الماءُ وانْسابَ إِذا جرَى .
وانْسابَ فلان نحوكُم : رجَعَ .
وسَيَّبَ الشيءَ : تركَه .
وسَيَّبَ الدَّابَّةَ ، أَو الناقةَ ، أَو الشيءَ : تركَه يَسِيبُ حيث شاءَ .
وكلُّ دابَّةٍ تركْتَها وسَوْمَها ، فهي سائبةٌ .
والسائبةُ : العَبْدُ يُعْتَقُ على أَن لا وَلاءَ له .
والسائبةُ : البعيرُ يُدْرِكُ نِتاجَ نِتاجِه ، فيُسَبَّبُ ، ولا يُرْكَب ، ولا يُحْمَلُ عليه .
والسائبة التي في القرآن العزيز ، في قوله تعالى : ما جَعَلَ اللَّه منْ بَحِيرةٍ ولا سائبةٍ ؛ كان الرجلُ في الجاهلية إِذا قَدِمَ من سَفَرٍ بَعيدٍ ، أَو بَرِئَ من عِلَّةٍ ، أَو نَجَّتْه دابَّةٌ من مَشَقَّةٍ أَو حَرْبٍ قال : ناقَتي سائبةٌ أَي تُسَيَّبُ فلا يُنْتَفَعُ بظهرها ، ولا تُحَّلأُ عن ماءٍ ، ولا تُمْنَعُ من كَلإٍ ، ولا تُركَب ؛ وقيل : بل كان يَنْزِعُ من ظَهْرِها فقارةً ، أَو عَظْماً ، فتُعْرَفُ بذلك ؛ فأُغِيرَ على رَجل من العرب ، فلم يَجِدْ دابَّةً يركبُها ، فرَكِب سائبةً ، فقيل : أَتَرْكَبُ حَراماً ؟ فقال : يَركَبُ الحَرامَ مَنْ لا حَلالَ له ، فذهَبَتْ مَثَلاً .
وفي الصحاح : السائبةُ الناقةُ التي كانت تُسَيَّبُ ، في الجاهِلِيَّةِ ، لِنَذْرٍ ونحوه ؛ وقد قيل : هي أُمُّ البَحِيرَةِ ؛ كانتِ الناقةُ إِذا ولَدَتْ عَشْرَةَ أَبْطُن ، كُلُّهنَّ إِناثٌ ، سُيِّبَتْ فلم تُرْكَبْ ، ولم يَشْرَبْ لَبَنَها إِلا ولَدُها أَو الضَّيْفُ حتى تَمُوتَ ، فإِذا ماتتْ أَكَلَها الرجالُ والنساءُ جَميعاً ، وبُحِرَتْ أُذن بِنْتِها الأَخيرةِ ، فتسمى البَحِيرةَ ، وهي بمَنْزلةِ أُمِّها في أَنها سائبةٌ ، والجمع سُيَّبٌ ، مثلُ نائمٍ ونُوَّمٍ ، ونائحةٍ ونُوَّحٍ .
وكان الرَّجلُ إِذا أَعْتَقَ عَبْداً وقال : هو سائبةٌ ، فقد عَتَقَ ، ولا يكون وَلاؤُه لِمُعتِقِه ، ويَضَعُ مالَه حيث شاءَ ، وهو الذي وردَ النَّهْيُ عنه .
قال ابن الأَثير : قد تكرر في الحديث ذكر السَّائبةِ والسَّوائِبِ ؛ قال : كان الرَّجُلُ إِذا نذَرَ لقُدُومٍ مِن سَفَرٍ ، أَو بُرْءٍ من مَرَضٍ ، أَو غير ذلك قال : ناقَتي سائبةٌ ، فلا تُمْنَعُ مِن ماءٍ ، ولا مَرْعًى ، ولا تُحْلَبُ ، ولا تُرْكَب ؛ وكان إِذا أَعْتَقَ عَبْداً فقال : هو سائِبةٌ ، فلا عَقْل بينهما ، ولا مِيراثَ ؛ وأَصلُه من تَسْبِيبِ الدَّوابِّ ، وهو إِرسالُها تَذْهَبُ وتجيءُ ، حيث شاءَتْ .
وفي الحديث : رأَيتُ عَمْرو بن لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَه في النَّارِ ؛ وكان أَوَّلَ من سَيَّبَ السَّوائِب ، وهي التي نَهى اللَّه عنها بقوله : ما جَعَلَ اللَّه مِنْ بَحِيرَةٍ ولا سائبةٍ ؛ فالسَّائبة : أُمُّ البَحِيرَةِ ، وهو مَذْكور في موضعه .
وقيل : كان أَبو العالِيةِ سائبةً ، فلما هَلَكَ ، أُتِيَ مَولاه بميراثِه ، فقال : هو سائبةٌ ، وأَبى أَنْ يأْخُذَه .
وقال الشافعيّ : إِذا أَعْتَقَ عَبْدَه سائبةً ، فمات العبدُ وخَلَّفَ مالاً ، ولم يَدَعْ وارثاً غير مولاه الذي أَعْتَقَه ، فميراثُه لمُعْتِقِه ، لأَنَّ النبيّ ، صلى اللَّه عليه وسلم ، جَعَلَ الوَلاءَ لُحْمةً كَلُحْمةِ النَّسَب ، فكما أَنَّ لُحْمةَ النَّسبِ لا تَنْقَطِعُ ، كذلك الوَلاءُ ؛ وقد قال ، صلى اللَّه عليه وسلم : الوَلاءُ لمن أَعْتَقَ .
وروي عن عُمَرَ ، رضي اللَّه عنه ، أَنه قال : السَّائِبةُ والصَّدقةُ ليومِهِما .
قال أَبو عبيدة ، في قوله ليَوْمهما ، أَي يَوْمِ القيامةِ ، واليَوْمِ الذي كان أَعْتَقَ سائِبتَه ، وتصدّق بصدقتِه فيه .
يقول : فلا يَرجِعُ إِلى الانتِفاع بشيءٍ منها بَعْدَ ذلك في الدنيا ، وذلك كالرَّجل
لسان العرب — صفحة 478
مساهمون: ابن منظور
ص٤٧٨