الآيات ، ظهر لك أن كل واحدة منها مع بديع ألفاظها ، وحسن تأليفها ،
وإيجازها ، مشتملة على معان كثيرة ، وعلوم جمة ، بحيث لو شرح ما
اندرج فيها لملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها ، وقطعت بالضرورة
أن فصاحة القرآن وبلاغته خارقة للعادة ، وأنه كلام الله عز وجل .
ومنها نظمه العجيب ، وأسلوبه الغريب المؤثر في القلوب تأثيرا
لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ومن تأمل
في أساليب كلام العرب ، نثره ، ونظمه ، وسجعه ، ورجزه ، وشعره ، لم
يجد فيها نظما وأسلوبا سنخ نظمه وأسلوبه ، وقد حارت فيه عقولهم ،
وتبلدت أحلامهم ، ( 1 ) وأثر فيهم تأثيرا بعد أن سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وآله
آياته ففي الأثر : أن أشراف قريش اجتمعوا ، وقالوا : ابعثوا إلى
محمد ( صلى الله عليه وآله ) حتى تعدوا فيه ، فقالوا : أنظروا أعلمكم بالسحر والكهانة
والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب
ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يريد ، فقالوا : لا نعلم أحدا غير عتبة بن
ربيعة ، فقال عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ، فقال : يا بن أخي إنك منا
حيث قد علمت من السلطة [ السطة - ظ ( 2 ) ] في العشيرة ، والمكان في النسب
شرح
1 - قال جرجي زيدان في كتابه ( تاريخ التمدن الاسلامي ، جزء 3 ، ص 42 ،
ط مصر ، سنة 1958 م ) عند ذكر علوم العرب بعد الإسلام : كان العرب فيما ذكرناه
من علومهم وأخبارهم وأطوارهم ، إذ جاء هم القرآن ، فبغتوا لما رأوه من بلاغة
أسلوبه على غير المألوف عندهم ، لأنه ليس من قبيل ما كانوا يعرفونه من نثر الكهان
المسجع ، ولا نظم الشعراء المقفى الموزون ، وقد خالف كليهما ، وهو منثور مقفى
على مخارج الأشعار والأسجاع ، فلا هو شعر ، ولا نثر ، ولا سجع ، وفيه من البلاغة
وأساليب التعبير ما لم يكن شبيه في لسانهم ، فسحروا بأسلوبه وما حواه من الشرائع
والأحكام والأخبار ، الخ . وبمثله قال في كتابه ( آداب اللغة العربية ) .
2 - وسط في حسبه - وساطة - وسطة : صار شريفا حسيبا ، ووسط قومه
في الحسب - سطة حسنة : كان أشرف منهم " ذيل أقرب الموارد " .