لذلك الابن بمقتضى المن والبشارة . وبعد ذا نقول : أما الأولى منها
وهي كونه وحشيا ( 1 ) فالمراد منه أنه لاستغراقه في محبة الله ، وكمال
توجهه إليه سبحانه ، منقطع عن الخلق ، معرض عما سواه تعالى ، وهو
عبارة أخرى عن كونه حبيب الله ، الذي لقب الله عز وجل به نبينا محمد
صلى الله عليه وآله . وأما الثانية وهي أن يده ضد الجميع ، ويد الجميع ضده ، فهي
أيضا من أوصاف نبينا صلى الله عليه وآله ، فإنه جاهد في الله حق جهاده ، مع الكفار ،
والمشركين ، والمنافقين ، من زمن بعثته إلى يوم ارتحاله ، ومخالفوه
مجتمعون على تكذيبه ، وإيذائه ، وقتله ، وأما إسماعيل عليه السلام وساير
أولاده فلم يعهد عنهم هذا المعنى . وأما الثالثة وهي أنه في قبالة جميع
إخوته ينصب المضارب ، فهي أيضا من خصائص محمد صلى الله عليه وآله ، حيث
إنه نصب مضارب التوحيد ، والنبوة ، والشريعة ، والمجد والعظمة ،
في مقابل بني أعمامه ، وهم بنو إسرائيل ( 2 ) ودعاهم إلى دينه وشريعته ،
وأوجب عليهم طاعته ، بعد أن كانت لهم السيادة والنبوة بعد يعقوب بن
إسحاق عليهما السلام .
وقد دعا يعقوب عليه السلام بنيه قبل موته ليخبرهم بما يصيبهم في
آخر الأيام ، فكان من جملة ما أنبأهم به قوله : " فلا يزول القضيب من
شرح
1 - الوحشي واحد الوحش : كل شئ يستوحش عن الناس ، كان الياء للتأكيد ،
" أقرب الموارد " .
2 - إطلاق الإخوة على بني الأعمام ، وغيرهم من الأقارب ، في التوراة كثير ،
ففي الكتاب المقدس ، سفر تثنية الاشتراع ، إصحاح 2 ، ص 63 ورد هكذا : ( 4 ) ثم
أوص الشعب ، وقل لهم : إنكم ستجوزن في تخوم إخوتكم بني عيسو الذين في ساعير . . .
فلما جزنا إخوتنا بني عيسو الذين يسكنون ساعير الخ . فقد أطلق الاأوة على بني يسو
مع أنهم كانوا بني أعمام لموسى عليه السلام وساير بني إسرائيل ، فإن عيسو كان أخا
ليعقوب عليه السلام ، إلى غير ذلك من الموارد .