رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : « إذا لم تستحي فاصنع ما شئت » فرمى سكينه ، ورجع إلى قومه فأهراق ما عنده ، ومضى إلى المدينة فلزم مالك بن أنس ، ثم رجع إلى البصرة وقد مات شعبة ، فما سمع منه غير هذا الحديث . هكذا روي لنا في كون القعنبي لم يسمع من شعبة غير هذا .
وقد روي لنا ما هو أشبه : وهو أن القعنبي قدم البصرة ليسمع من شعبة ويكثر ، فصادف مجلسه يوم قدومه قد انقضى وانصرف إلى منزله ، فجاء فوجد الباب مفتوحا وشعبة على البالوعة ، فدخل من غير استئذان وقال : أنا غريب ، قصدت من بلد بعيد لتحدثني . فاستعظم شعبة ذلك وقال : دخلت بيتي بغير إذني ، وتكلمني على هذه الحالة ، اكتب : حدثنا منصور . . . فذكر له الحديث ثم قال : والله لا حدثتك غيره ، ولا حدثت قوما أنت معهم ( 1 ) .
وقوله : « من كلام النبوة الأولى » المعنى : أن الحياء لم يزل ممدوحا على ألسن الأنبياء الأولين ، ومأمورا به لم ينسخ في شرع .
وفي قوله : « إذا لم تستحي فاصنع ما شئت » ثلاثة أوجه : أحدها :
أنه بمعنى الخبر وإن كان لفظه لفظ الأمر ، كقوله : « فليتبوأ مقعده من النار » فيكون المعنى : إذا لم يمنعك الحياء صنعت ما شئت ، وهذا على جهة الذم لترك الحياء ، وهذا قول أبي عبيد . والثاني : أنه وعيد
هامش
( 1 ) في « سير الأعلام » ( 10 / 261 ) عن القعنبي أنه قال : كان شعبة يستثقلني ، فلا يحدثني . ونقل ( 10 / 263 ) : وقد رويت حكاية في سماع القعنبي لذلك الحديث من شعبة لا تصح ، وأن هجم عليه في بيته فوجده يبول في بلوعة ، فقال : حدثني . . .
ثم قال الذهبي : وفي الجملة لم يدرك القعنبي شعبة إلا في آخر أيامه ، فلم يكثر عنه .