أقول : هذه الجهات الثلاث أعني الوجوب والامكان والامتناع أمور اعتبارية
يعتبرها العقل عند نسبة الوجود إلى الماهية ، وليس لها تحقق في الأعيان لوجوه :
منها ما هو مشترك ومنها ما هو مختص بكل واحد ، أما المشترك فأمران :
الأول : أن هذه الأمور تصدق على المعلوم ، فإن الممتنع يصدق عليه أنه
مستحيل الوجود وأنه واجب العدم ، والممكن قبل وجوده يصدق عليه أنه ممكن
وهو معدوم ، وإذا اتصف المعدوم بها كانت عدمية لاستحالة اتصاف العدمي
بالثبوتي .
الثاني : يلزم التسلسل لأن كل متحقق فله وجود يشارك به غيره من
الموجودات ويختص بنفس ماهيته وما به الاشتراك مغاير لما به الامتياز ، فوجوده
غير ماهيته ، فاتصاف ماهيته بوجوده لا يخلو عن أحد هذه الأمور الثلاثة ، فلو
كانت هذه الأمور ثبوتية لزم اتصافها بأحد الثلاثة ويتسلسل ، وهو محال .
قال : ولو كان الوجوب ثبوتيا لزم إمكان الواجب .
أقول : لما ذكر الأدلة الشاملة في الدلالة على أن هذه الأمور ليست ثبوتية في
الأعيان شرع في الدلالة على كل واحد من الثلاثة ، فبدأ بالوجوب الذي هو أقربها
إلى الوجود إذ هو تأكده ( 1 ) ، فبين أنه ليس ثبوتيا ، والدليل عليه أنه لو كان موجودا
لكان ممكنا وبالتالي باطل فالمقدم مثله بيان الشرطية أنه صفة للغير والصفة مفتقرة
إلى الموصوف فالوجوب مفتقر إلى ذات الواجب فيكون الوجوب ممكنا . وأما
بطلان التالي فلأنه لو كان الوجوب ممكنا لكان الواجب ممكنا ، لأن الواجب أنما
هو واجب بهذا الوجوب الممكن ، والوجوب الممكن يمكن زواله فيخرج الواجب
عن كونه واجبا فيكون ممكنا هذا محال .
قال : ولو كان الامتناع ثبوتيا لزم إمكان الممتنع .
هامش
( 1 ) على صيغة المصدر من باب التفعل أي الوجوب هو تأكده الوجود ، كما يأتي في المسألة
الحادية والثلاثين أن الوجوب تأكد الوجود وقوته ، والامكان ضعف فيه .