هذا مع أنّ موثّقة مَسْعدة " 1 " ظاهرة في الردع عنه ؛ بناءً على ما هو المعروف في معناها ، أي الاحتمال الأوّل من الاحتمالين المتقدّمين ؛ فإنّ الظاهر أنّ الغاية للحلّ مطلقاً البيّنة ، فلو كان خبر الثقة مثبتاً للموضوع ، كان اعتبار البيّنة بلا وجه ؛ فإنّ معنى اعتبارها أن يكون كلّ واحد من الشاهدين جزء الموضوع للإثبات ، ومقتضى ثبوته بخبر الثقة أنّه تمام الموضوع ، فلا يمكن الجمع بينهما في الجعل ، فالقول بأنّ الاستبانة أعمّ من العلم وخبر الثقة " 2 " ، ضعيف غايته ؛ ضرورة لغوية جعل البيّنة حينئذٍ غايةً .
فإن قلت : المراد بالبيّنة شاهدا عدل ولو لم يكونا ثقتين من غير جهة الكذب ، بل من جهته أيضاً ، فإنّ ظهور الصلاح كاشف تعبّدي عن العدالة ، فحينئذٍ يكون خبر الثقة في مقابل البيّنة ، لا جزءها حتّى يرد الإشكال العقلي ، فالبيّنة إحدى طرق الإثبات ، وهي شاهدا عدل ثبت عدالتهما بظهور الصلاح ولو لم نثق بهما من جهة الاحتراز عن الكذب ، أو من جهة الغفلة والخطأ ، وخبر الثقة ولو لم يكن عدلًا طريق آخر له مباين لها ، لا مداخل فيها . نعم لو قلنا باعتبار خبر واحد عدل ، لتطرّق الإشكال المتقدّم .
قلت : نمنع عدم اعتبار الوثوق من جهة احتمال الغفلة والخطأ في البيّنة ؛ فإنّ الشاهدين إذا كانا من متعارف الناس ، تجري فيهما أصالة عدم الخطأ والغفلة لدى العقلاء . وإن لم يكونا كذلك ، وكان الغالب عليهما الاشتباه والخطأ ، أو كانا بحيث لم يتكل عليهما العقلاء ، ولم تجرِ في حقّهما الأُصول العقلائية ، لا تعتبر شهادتهما ، وتكون أدلَّة اعتبار البيّنة منصرفة عن مثلهما .
هامش
" 1 " تقدّمت في الصفحة 263 .
" 2 " مصباح الفقيه ، الطهارة : 609 / السطر 35 .