شرح
وأما ( الصورة الثالثة ) : فالتحقيق أن التقدير بهذا المعنى كاف في
الحكم بالانفعال ، إذ الفرض أن التغير حاصل واقعا لتمامية المقتضي والشرط
غاية الأمر أن الحمرة أو النتن يمنع عن ادراكه وإلا فالأجزاء الدموية موجودة
في الماء وإن لم يشاهدها الناظر لحمرته ، وهو نظير ما إذا جعل أحد على
عينيه نظارة حمراء ، أو جعل الماء في آنية حمراء ، فإنه لا يرى تغير الماء
إلى الحمرة بالدم حيث إنه يرى الماء أحمر لأجل النظارة أو الآنية . والأحمر
لا ينقلب إلى الحمرة بالقاء الدم عليه ، مع أنه متغير واقعا .
وأظهر من جميع ذلك ما إذا فرضنا حوضين متساويين كلاهما كر ،
وقد صبغنا أحدهما بصبغ أحمر ، وفرضنا أيضا مقدارا معينا من الدم
فنصفناه ، وألقينا كل نصف منه على كل واحد من الحوضين ، وتغير بذلك
الحوض غير المنصبغ بالصبغ . أفسلنا نحكم حينئذ بتغير المنصبغ أيضا بالدم ؟ لأن
الماءين متساويان ، وما ألقي على أحدهما إنما هو بمقدار الملقى على الآخر
وإن لم نشاهد تغير الثاني لاحمراره بالصبغ ( * 1 ) وكيف كان فالصحيح
في الصورة الثالثة كفاية التقدير كما بنى عليه سيدنا الأستاذ مد ظله في تعليقته
المباركة على الكتاب فإن الصورتين اللتين إشارة إليهما دام ظله من قبيل
هامش
( * 1 ) فإن الماء كما ادعوه لا لون له غير لون الماء ، كما أن الشعر
لا لون له غير البياض وإنما يرى الماء أو الشعر أحمر أو أصفر أو بغيرهما
من الألوان لأجل ما يدخلهما من الأجزاء المتلونة ، فهما كالزجاجة التي
تتلون بما في جوفها من المواد . فهي حمراء إذا كان في جوفها شئ أحمر
أو سوداء إذا كان في جوفها شئ أسود . وهكذا مع أن لون الزجاجة
هو البياض ، فالشعر إنما يرى أسود لما جعل فيه من مادة سوداء ، ولذا
يرى بلونه الطبيعي في الشيبة لانتهاء مادة السوداء في الشيبوبة ، وكذا الحال
في الماء .