شرح
في ذلك : أن الطهور والطهارة مما لم تثبت له حقيقة شرعية ولا متشرعية
في زمان نزول الآيتين ، ولم يعلم أن المراد من الطهور هو المطهر من النجاسات
ولم يظهر أنه بمعنى الطهارة المبحوث عنها في المقام .
ولعل المراد منها أن الله من عليكم بخلق الماء وجعله طاهرا عن
الكثافات المنفرة ، ومطهرا من الأقذار العرفية ، فإن الانسان ليس كالحيوان
بحيث لو لم ير الماء شهرا أو شهورا متمادية لا يكون موردا للتنفر عرفا ،
ولا يستقذره العقلاء بل هو يحتاج في تنظيف بدنه ، ولباسه ، وأوانيه ،
وغيرها إلى استعمال ماء طهور ، فهو طاهر في نفسه ومطهر عن الأقذار .
وقد جعله الله تعالى كذلك من باب الامتنان ، إذ لولاه لوقع الانسان موقع
التنفر والاستقذار . فالآية ناظرة إلى بيان هذا المعنى ، لا بمعنى أن الماء
مطهر من النجاسات المصطلحة - المبحوث عنها في المقام - لعدم ثبوت الحقيقة
الشرعية ، والمتشرعية في شئ من الطهارة والطهور .
بل ولعل أحكام النجاسات لم تكن ثابتة في الشريعة المقدسة حين نزول
الآيتين أصلا ، حيث أن تشريع الأحكام كان على نحو التدريج لا محالة .
ويؤيد ذلك أن الآيات القرآنية لم تشتمل على شئ من عناوين النجاسات
وقذارتها إلا في خصوص المشركين ، لقوله تعالى : ( إنما المشركون نجس
فلا يقربوا المسجد الحرام ) ( * 1 ) على أن فيه أيضا كلاما في أن المراد
بالنجس هل هو النجاسة الظاهرية المصطلحة ، أو أنه بمعنى النجاسة المعنوية
وقذارة الشرك ؟ كما يناسبها تفريعه تعالى بقوله فلا يقربوا المسجد الحرام فإن النجس
الظاهري لا مانع من دخوله وادخاله المسجد على المعروف كما يأتي في محله .
وكيف كان فلا دلالة في الآيتين على المطلوب . أجل لا نضايق من
الحاق النجاسة الحدثية . أعني الجنابة بالأقذار العرفية في دلالة الآية على
هامش
( * 1 ) التوبة 9 : 28 .