شرح
المسألة فلو كان تقليد الأعلم واجبا عندهم لزم عليهم الفحص عن وجوده .
وفيه : أنه إن أريد بذلك صورة عدم العلم بالمخالفة بين فتوى الأعلم وفتوى
غير الأعلم فلا يبعد دعوى قيام السيرة فيها على عدم الفحص عن الأعلم .
وأما لو أريد بذلك صورة العلم بالمخالفة بينهما كما هي محل الكلام فلا مجال
فيها لدعوى السيرة بوجه . بل هي دعوى ظاهرة الفساد فإن الأمر بالعكس والسيرة
جارية على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة كما هو المشاهد في غير الأحكام
- مثلا - إذا عين الطبيب دواء وخالفه في ذاك من هو أعلم منه لم يعتمدوا على
معالجته هذه بوجه وإنما يتبعون رأي الأعلم فلاحظ .
" الوجه الرابع " : أن الأئمة - ع - قد أرجعوا جماعة من العوام إلى أشخاص
معينيين من أصحابهم كيونس بن عبد الرحمان ، ومحمد بن مسلم وغيرهما مع أنهم - ع -
موجودون بين الناس ، فإذا كانت فتاوى هؤلاء حجة معتبرة مع وجوب نفس
الإمام - ع - كانت فتاواهم حجة عند وجود الأعلم بطريق أولى ، فإن الأعلم لا
يزيد عن نفس الإمام - ع - .
والجواب عنه : أن الاستدلال بذلك إنما يتم فيما إذا قلنا بوجوب تقليد الأعلم
مطلقا ، وأما لو خصصنا وجوبه بصورة العلم بالمخالفة بين الأعلم وغيره كما هو الصحيح
على ما يأتي بيانه فلا وقع لهذا الاستدلال بوجه ، إذ الإمام - ع - إنما أرجع إليهم
السائل لعدم العلم بمخالفتهم معه - ع - فيما يفتون به ، ولا يحتمل أن يرجعه إليهم مع
العلم بمخالفتهم مع الإمام - ع - فالاستدلال بالأولوية ساقط هذا تمام الكلام في
الوجوه المستدل بها على حجية فتوى غير الأعلم وقد عرفت ضعفها ، ولا بد بعد
ذلك من التكلم فيما استدل به على وجوب تقليد الأعلم فإن تم فهو وإلا فلا مناص
من المراجعة إلى ما يقتضيه الأصل العملي في المسألة .