أَفْوَاجًا ( 2 ) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ( 3 ) )
( إذَا جَآءَ ) كَ يا محمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ( نَصْرُ اللهِ ) علَى مَنْ عَادَاكَ ، وَهُمْ قُريْشٌ
( وَالْفَتحُ ) يعني : فَتْحَ مَكَّةَ . و ( إذَا ) ظَرْفٌ لقَولِهِ : ( فَسَبِّحْ ) وهذا من المُعْجزَاتِ
والإِخْبارِ بالشَّيءِ قَبْلَ كَوْنِهِ . وكانَ فَتْحُ مَكةُ لِعَشْر مَضَيْنَ من شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةُ
ثَمَان ، ومَعَ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عَشْرَةُ آلاف من المهاجرينَ والأَنْصَارِ وطَوائِفَ
العَرَبِ ، وأَقَامَ بها خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَة ، ثَمَّ خَرَجَ إلى هَوَازِنَ ، وَهِيَ غَزاةُ حُنَيْن ، وحينَ
دَخَلَ مكَّةَ وَقَفَ على بابِ الكَعْبَةِ ثمَّ قَالَ : " لا إله إلاَّ الله وحدَهُ وَحْدَه ، أَنْجَزَ وَعْدَه ،
ونَصَرَ عَبْده ، وهَزَمَ الأَحزَابَ وَحْدَه ، أَلاَ إنَّ كُلَ مال وَمَأْثَرَة وَدَم يُدَّعى فهو تَحْتَ
قَدَميَّ هَاتَيْنِ ، إلاَّ سدانَة البَيْتِ وسِقَايَة الحَاجِّ فإنَّهُما مَردُودَتَانِ إلى أهْليهما ، أَلاَ إنَّ
مكَّةَ مُحَرَّمَةٌ بتَحْريمِ اللهِ ، لَمْ تُحَلَّ لأَحَد قَبْلي ، ولَمْ تُحَلَّ لي إلاَّ ساعةً مِن نَّهَار ، وهي
مُحَرَّمَةٌ إلى أن تَقُومَ السَّاعَةُ ، لا يُخْتَلَى خَلاَلُها ولا يُقْطَعُ شَجَرُهَا ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ،
ولا يَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلاَّ لِمُنْشد " . وكانَ صنَاديدُ قُريْش قد دَخَلُوا الكَعْبَةَ وَهُم يَظُنُّونَ أنَّ
السَّيْفَ لا يُرْفَعُ عَنْهُم ، فَقَالَ ( عليه السلام ) لهم : " أَلاَ لِبئْسَ جِيرَان النبيِّ كُنْتُم ، لَقَد كَذَّبْتُم
وطَردْتُم ، ثمَّ ما رَضيتُم حتَّى جِئتُموني في بلادِي تُقَاتلُونني ، يا أَهْلَ مَكَّةَ ما تَرَوْنَ
أَنِّي فاعِلٌ بكُم " ؟ قَالُوا : خَيْراً ، أَخٌ كريمٌ وابنُ أخ كَريم ، قَالَ : " اذهبُوا فأَنْتُم الطُّلَقَاء " .
فَأَعْتَقَهُم رَسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقَد كانَ اللهُ تعالى أَمْكَنَهُ من رقَابِهِم عَنْوَةً ، وكانُوا لَهُ فَيْئاً
فَلذلكَ سُمُّوا الطُّلَقَاء ، ثمَّ بايَعُوهُ على الإِسْلامِ ( 1 ) .
( وَرَأَيْتَ الْنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ ) أي : مِلَّةِ الإِسلامِ ( أَفْوَاجاً ) جَمَاعَات
كَثيفةً ، كانَتْ تَدْخُلُ فيهِ القبيلةُ بأَسْرِها بَعْدَما كانُوا يدخُلُونَ فيهِ واحِداً فَواحِداً ،
واثنَيْنِ اثنَيْن .
هامش
( 1 ) رواه ابن إسحاق في السيرة : ص 281 .