والجُملةُ الثَّانيةُ تَكْريرٌ للجُمْلةِ الأُولى لِتَقْريرِ معنَاهَا في النُّفُوسِ وتَمْكينِها في
القُلُوبِ ، وعلى هذا فيكُونُ معنى ما رُوِيَ في الحَديثِ أنَّهُ ( عليه السلام ) خَرَجَ ذاتَ يَوْم وهو
يَضْحَكُ ويقُولُ : " لَنْ يَغْلبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ " ( 1 ) أَن يكُونَ قَولُهُ : ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) مَوْعِداً من اللهِ سبحانَهُ مُكَرَّراً .
ويَنْبغي أَن يُحْمَلَ وَعْدُهُ على أَبْلَغ ما يَحتَمِلُهُ اللَّفْظُ ، وقد عَلِمْنَا أنَّ الجُملةَ
الأُولى عِدَةٌ بأَنَّ العُسْرَ مَردُوفٌ بِيُسْر لا مَحَالَةَ ، والثَّانيةَ عِدَةٌ مستَأْنفَةٌ بأَنَّ العُسْرَ
مَتْبوعٌ بيُسْر ، فَهُمَا يُسْرَانِ على تَقْديرِ الاستِئْنافِ ، وإنَّما كانَ العُسْرُ واحِداً ؛ لأنَّه لا
يَخْلُو : إِمَّا أَن يكُونَ تَعريفُهُ للعَهْدِ وهو العُسْرُ الذي كانُوا فيهِ ، فَهُو هُوَ لأنَّ حُكْمَهُ
حُكْمُ " زَيْد " في قولِكَ : إنَّ مَعَ زَيْد مَالاً ، إنَّ مَعَ زَيْد مَالاً ، وإِمَّا أَن يكُونَ للجِنْسِ
الذي يَعْلَمُهُ كُلُّ أَحَد فَهُو هُوَ أَيْضاً . وأمَّا " اليُسْرُ " فمُنَكَّرٌ متَنَاولٌ بَعْضَ الجِنْسِ ، وإذا
كانَ الكَلامُ الثَّاني مستَأنفاً غَيْرَ مُكَرَّر فَقَدْ يتَنَاوَلُ بَعضَها غَيْرَ البَعْضِ الأوَّلِ بغَيْرِ
إشْكَال . ويَجُوزُ أَن يُرادَ باليُسْرَيْنِ : يُسْرَ الدُّنيا ويُسْرَ الآخِرَةِ ، والمعنى في التَّنْكِير :
التَّفْخِيمُ ، كأنَّهُ قَالَ : إنَّ مع العُسْرِ يُسْراً عَظيماً وأَيُّ يُسْر !
( فَإذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ) هذا بَعْثٌ لَهُ ( عليه السلام ) على الشُّكْرِ ، والاجتهادِ في العبَادَةِ
والنَّصَبِ فيها ، وأَن لا يَخْلُو منْها .
وعنِ ابنِ عبَّاس : فإذا فَرَغْتَ عن صَلاتِكَ فاجتَهِدْ في الدُّعَاءِ وارْغَبْ إلى
ربِّكَ في المسأَلَةِ ( 2 ) ، وهو المَرْويُّ عن الصَّادقِ ( عليه السلام ) ( 3 ) .
هامش
( 1 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 628 عن الحسن .
( 2 ) تفسير ابن عباس : ص 514 .
( 3 ) رواه الحِمْيرَي في قرب الإسناد : ص 7 ح 22 ط . آل البيت عن مسعدة بن صدقة عن أبي
عبد الله ( عليه السلام ) عن أبيه .