هذا استفْهامٌ عن انتِفَاءِ " الشَّرْحِ " على وَجْهِ الإِنْكَارِ ، فَأَفَادَ إثْباتَ الشَّرْحِ
وإيْجَابَهُ ، فكأَنَّهُ قَالَ : " شَرَحْنَا لَكَ صَدْرَكَ " ولذلِكَ عَطَفَ عليهِ ( وَضَعْنَا ) اعتبَاراً
للمعنى ، ومعنى " شَرَحْنا لكَ صَدْرَكَ " : فَسَحْنَاهُ حتَّى وَسِعَ دَعْوَةَ الثَّقَلَيْنِ ، أو :
فَسَحْنَاهُ بما أَودَعْنَاهُ من العُلُومِ والحِكَمِ ، وعن الحَسَن : مُلِئَ حِكْمَةً وعِلْماً ( 1 ) .
والوِزْرُ ( الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ) أي : حِملُهُ عَلَى النَّقِيضِ وهو صَوتُ الانتِقَاضِ
والانِفِكاكِ ، مَثَلٌ لِمَا كَانَ يَثْقُلُ على رَسُولِ اللهِ من تَحَمُّلِ أَعْباءِ النُّبوَّةِ ، وما كانَ
يُصيبُهُ من أَذَى الكفَّارِ مع شِدَّةِ حرْصِهِ على إسْلامِهِم ، وَوَضَعَ ذلك عنْهُ بأَن أيَّدَهُ
بالمُعْجِزَاتِ ، وأَنْزَلَ السَّكينةَ عليهِ ، وعَلَّمَهُ الشَّرائِعَ ومَهَّدَهُ عذْرَهُ بعدَ أَن بَلَّغَ .
وَرَفَعَ ذِكْرَهُ وهو أَن قَرَنَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ اللهِ في كلمةِ الشَّهَادةِ والأَذَانِ والإِقَامَةِ
والتَّشَهّدِ والخُطَبِ وفي القُرآنِ ، وبأَنْ ذَكَرَهُ في الكُتُبِ المتَقَدِّمَةِ ، وأَخَذَ على الأَنبياءِ
والأُمَمِ أن يؤْمِنُوا بهِ . والفائِدَةُ في زيادَةِ ( لَكَ ) وإنْ كانَ المعنى يَستَقِلُّ بدُونِهِ ، هي
ما في طَريقَةِ الإِبْهامِ والإِيْضَاحِ ، فَكَأَنَّهُ لمَّا قَالَ : ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ ) فُهِمَ أَنْ ثَمَّ
مَشْرُوحاً ، ثمَّ قَالَ : ( صَدْرَك ) فأَوضَحَ ما كانَ مُبْهَماً . وكذلكَ قَولُهُ : و ( لَكَ ذِكْرَكَ )
و ( عَنْكَ وِزْرَكَ ) .
ولَمَّا ذَكَرَ سبحانَهُ ما أَنْعَمَ بهِ على رسُولِهِ من جَلائِلِ النِّعَمِ ، وقد كانَ المشْركُونَ
عَيَّرُوهُ بالفَقْرِ حتَّى ظَنَّ أنَّهم إنَّما رَغبُوا عن الإِسلامِ لافتقَارِ أَهْلِهِ واحتقَارِهِم عَقَّبَ
ذلكَ بقَولِهِ : ( فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ) فَكَأَنَّهُ قَالَ : خَوَّلْنَاكَ ما خَوَّلْناكَ تَفَضُّلاً وإنْعاماً
فَلاَ تَيْأَسْ من فَضْلِنا ، فإنَّ مع العُسْرِ الذي أَنْتَ فيهِ يُسْراً . وَقَرَّبَ " الْيُسْرَ " المُتَرَقَّبَ
بلَفْظَةِ ( مَعَ ) التي هي للصُّحْبَةِ ، حتَّى جَعَلَهُ كالمقَارِنِ للعُسْرِ زيَادةً في تَسْليتِهِ
وتَقْويةً لِقَلْبِهِ .
هامش
( 1 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 426 .