الإِنْسانَ ابتدَاءً من نُطْفَة ( عَلَى رَجْعِهِ ) على إِعَادَتِهِ خُصُوصاً ( لَقَادِرٌ ) لَبَيِّنُ
القُدْرَةِ ، لا يَعْجِزُ عَنْهُ .
( يَوْمَ تُبْلَى الْسَّرَآئِرُ ) منْصُوبٌ ب ( رَجْعِهِ ) ، وعَنْ مُجَاهِد : أنَّه على رَدِّ الماءِ
إلى مَخْرَجِهِ من الصُّلْبِ والتَّرائِبِ لَقَادِرُ ( 1 ) . وعلى هذا فيكُونُ الظَّرْفُ منْصُوباً
بمُضْمَر ( يَوْمَ تُبْلَى الْسَّرَآئِرُ ) أي : تُخْتَبَرُ السَّرائِرُ في القُلُوبِ من العَقَائِدِ والنيَّاتِ
وغَيْرِها ، وما أَسَرَّ وما أَخْفَى من الأَعمالِ ، فَيُميِّزُ بين ما طَابَ منْها وما خَبُثَ . ( فَمَا
لَهُ ) أي : فما للإِنْسانِ ( مِنْ قُوَّة ) من مِنْعَة في نَفْسِهِ يَمتَنعُ ( وَلاَ نَاصِر ) يَمْنَعُهُ .
( وَالْسَّمَاءِ ذَاتِ الْرَّجْعِ ) وهو المَطَرُ ، سمِّي بالمَصْدَرِ لأنَّ اللهَ يُرْجِعُهُ وَقْتاً
فَوَقْتاً . و ( الْصَّدْعِ ) ما يَتَصَدَّعُ الأَرْضُ عنْهُ من النَّباتِ . ( إِنَّهُ ) الضَّميرُ للقُرآنِ
( لَقَوْلٌ فَصْلٌ ) فَاصِلٌ بين الحقِّ والباطِلِ ، كَمَا قيلَ لَهُ : فُرْقَانٌ . ( وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ )
بَلْ هو الجِدُّ لاَ هَوَادَةَ فيهِ ، فَمِنْ حقِّهِ أن يكُونَ مُعَظَّماً في القُلُوبِ مهيباً في الصُّدُورِ ،
ومِنْ حقِّ قَارئِهِ وسَامِعِه أَن لاَ يَلُمَّ بهَزْل وَلَعِب ، ويُقَرِّرَ في نَفْسِهِ أنَّ إلهَهُ ورَبَّهُ
جلَّ جلالُه يخَاطِبُهُ ، فَيأْمرُهُ وينْهَاهُ ، وَيَعِدُهُ ويُوعِدُهُ ، فإذا مَرَّ بآيةِ الوَعْدِ تَضَرَّعَ إليهِ
رَاجِياً أن يكُونَ من أَهْلِها ، وإذا مَرَّ بآيةِ الوَعيدِ تَعَوَّذَ بهِ خَائِفاً أن يكُونَ من أَهْلِها .
( إِنَّهُم يَكِيدُونَ ) يَحتَالُونَ في إيْقَاعِ المكْروهِ بكَ وبِمَنْ مَعَكَ . ( وَأَكِيدُ كَيْداً )
أُدَبِّرُ ما يَنْقُضُ كَيْدَهُم واحتِيَالَهُم مِن حيثُ يَخْفَى عليهم ، ( فَمَهِّلِ الْكَفِرِينَ ) لا
تَدْعُ بِهَلاَكِهِم ولا تَستَعْجِلْ بهِ ، وارْضَ بتَدْبيرِ اللهِ فيهم و ( أَمْهِلْهُمْ ) أَرادَ التَّوكيدَ
وكَرِهَ التَّكريرَ ، فَخَالَفَ بين اللَّفظَيْنِ ، ولمَّا زَادَ في التَّوكيدِ أَتَى بالمعنى وتَرَكَ اللَّفْظَ
فَقَالَ : ( رُوَيداً ) أي : إِمْهَالاً يَسيراً .
* * *
هامش
( 1 ) تفسير مجاهد : ص 720 .