( مُدَّتْ ) أي : بُسِطَتْ بأَن تُزَالَ جِبَالُها وكلُّ أَمْت فيها حتَّى تَمتَدَّ وتَنْبَسِطَ ،
كقَولِهِ : ( قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ تَرَى فِيهَا عِوَجاً وَلاَ أَمْتاً ) ( 1 ) . ( وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا ) وَرَمَتْ
بِمَا في جَوْفِها ممَّا دُفِنَ فيها من الأَمواتِ والكُنُوزِ ، مثْلُ : ( وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ
أثْقَالَهَا ) ( 2 ) ، ( وَتَخَلَّتْ ) وخَلَتْ غَايةَ الخُلُوِّ حتَّى لَمْ يَبْق شيءٌ في بَاطِنِها ، كأنَّها
تَكَلَّفَتْ أَقْصَى جَهْدِها في الخُلُوِّ ، كقَولِهِم : تَكَرَّمَ وتَشَجَّعَ ونَحْوُهُما . والمعنى : بَلَغَ
الجَهْدُ فيهِ ، وتَكَلَّفَ فَوْقَ ما في طَبْعِهِ .
والْكَدْحُ : الكَدُّ في العَمَلِ ، وَجَهْدُ النَّفْسِ فيهِ حتَّى يُؤَثِّرَ فيها ، مِن : كَدَحَ جِلْدَهُ إذا
خَدَشَهُ ، والمعنى : ( إِنَّكَ ) جَاهِدٌ ( إِلَى ) لِقَاءِ ( رَبِّكَ ) وهو الموتُ وما بَعْدَهُ من
الحَالِ الممثَّلَةِ باللِّقَاءِ ، ( فَمُلَقِيهِ ) فَمُلاق لَهُ لا مَحَالةَ ، لا مَفَرَّ لكَ منْهُ ، وقيلَ : الضَّميرُ
في ( مُلَقِيهِ ) للكَدْحِ ( 3 ) . ( حِسَاباً يَسِيراً ) أي : سَهْلاً هَيِّناً لا يُنَاقَشُ فيهِ ، ورُوِيَ :
أنَّ الحسَابَ اليَسيرَ هو الإِثَابَةُ على الحَسَنَاتِ والتَّجَاوزُ عن السِّيئاتِ ، ومَنْ نُوقِشَ
في الحسَابِ عُذِّبَ ( 4 ) . ( وَيَنْقَلِبُ إِلَى أهْلِهِ ) من الحُورِ العِينِ في الجنَّةِ ، أو : إلى
أَولادِهِ وعَشَائرِهِ وقد سَبَقُوهُ إلى الجنَّة .
( وَرَآءَ ظَهْرِهِ ) لأنَّ يمينَهُ مغْلولَةٌ إلى عُنْقِهِ ، وشمَالَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ، فيؤْتى كتَابُهُ
بشمَالِهِ من وَرَاءِ ظَهْرِهِ . ( فَسَوْفَ يَدْعُواْ ثُبُوراً ) ويقُولُ : يا ثُبُورَاه ، والثُّبُورُ : الهَلاكُ .
( ويَصْلَى سَعِيراً ) ويَصيرُ صَلاَءً للنَّارِ المُسَعَّرَةِ ، وقُرِئَ : " وَيُصَلّى " ( 5 ) كقَولِهِ :
( وَتَصْلِيَةُ جَحِيم ) ( 6 ) . ( إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ ) فيمَا بينَ أَظْهُرِهِم أو : مَعَهُم ، على أنَّهم
هامش
( 1 ) طه : 106 و 107 .
( 2 ) الزلزلة : 2 .
( 3 ) قاله ابن عباس في تفسيره : ص 502 .
( 4 ) أخرجه أحمد في المسند : ج 6 ص 127 عن عائشة .
( 5 ) قرأه نافع برواية خارجة وعاصم برواية أبان بضمّ الياء ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر
والكسائي بضمّها وتشديد اللام . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 677 .
( 6 ) الواقعة : 94 .