( لِلْبَشَرِ ) على أَنَّها منْذِرَةٌ للمُكلَّفينَ المُمَكَّنينَ الذين إنْ شاؤوا تَقَدَّموا فَفَازوا وإنْ
شاؤوا تأخَّروا فَهَلكوا .
و ( رَهِينَةٌ ) لَيستْ بتأْنيثِ " رهِين " لأنَّ " فَعيلاً " بمعنى " مفْعُول " يستَوي فيه
المذَكَّرُ والمؤَنَّثُ ، وإنَّما هي اسمٌ بمعنى " الرَّهْنِ " كالشَّتيمَةِ بمعنى " الشَّتْمِ " ، كأنَّه
قَالَ : ( كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ ) رَهِينٌ ، ومثْلُهُ بَيْتُ الحَمَاسَةِ :
أَبَعْدَ الَّذي بالنَّعْفِ نَعفِ كُوَيْكِب * رَهينَةِ رَمْس ذِي تُراب وَجَنْدَلِ ( 1 )
أي : رَهْنِ رَمْس . والمعنى : كلُّ نَفْس رَهْنٌ بِكَسْبِها عند اللهِ ، غَيْرُ مفْكُوك .
( إِلاَّ أَصْحَبَ الْيَمِينِ ) فإنَّهم فَكُّوا رِقَابَهُم عنْهُ بإيْمانِهِم وطاعاتِهِم كَمَا يَفُكُّ الرَّاهِنُ
رَهْنَهُ بأَداء الحقِّ . ( فِي جَنَّت ) أي : هُم في جنَّات لا يُكْتَنَهُ وَصْفُها ( يَتَسَآءَلُونَ )
يَسأَلُ بعضُهم بعضاً ( عَنِ الْمُجْرِمِينَ ) ، أو : يَتَساءلُونَ غَيْرُهُم عَنْهُم ، كَقَولِهِ : دَعَوتُهُ
وتَدَاعَيْنَاهُ . ( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ) هذهِ حكايةُ قَوْلِ المسؤُولينَ عن المجرمينَ
لأنَّهم يُلقُونَ إلى السَّائلينَ ما جرى بينهم وبينَ المجرمينَ فيقُولُونَ : قُلْنا لهم : ما
سَلَكَكُم في سَقَر ؟ ( قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) إلاَّ أنَّه جَاءَ على الحَذْفِ
والاختِصَارِ . ( وَكُنَّا نَخُوضُ ) أي : نَشْرعُ في الباطلِ ونَغْوِي مع الغَاوينَ . وأَخَّرَ
التَّكذِيبَ على معنى : أنَّهم بعدَ ذلك كُلّهِ مُكَذِّبينَ ( بِيَوْمِ الَّدِينَ ) تَعْظيماً للتَّكذيبِ .
( حَتَّى أتَنَا الْيَقِينُ ) وهو المَوْتُ ومقدَّماتُهُ . ( فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّفِعِينَ ) من
الملائكةِ والنَّبيِّينَ وغَيْرِهِم كما يَنْفَعُ الموحِّدينَ .
( فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ ) عن التَّذكيرِ وهو القُرآنُ وغَيرُهُ من المَواعِظِ
( مُعْرِضِينَ ) حَالٌ ، كما تَقُولُ : ما لَكَ قائِماً ؟ ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ) شَديدةُ النِّفَارِ
هامش
( 1 ) لعبد الرحمن بن زيد العذري ، قد قُتِل أبوه فَعُرض عليه فيه سبع ديات فأبى إلاّ الثأر وأنشأ
يقوله . والنَّعفُ : المكان المرتفع والجبل ، والكويكبُ : جبلٌ بعينه . راجع شرح شواهد
الكشّاف : ص 553 .