تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ
التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ( 56 ) )
رُوِيَ : أنَّ أبا جَهْل قَالَ لقُريش بعد نُزُولِ الآيةِ : أَتَسْمَعُونَ أنَّ ابنَ أبي كَبْشَةَ
يُخْبِرُكُم أنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةُ عَشَرَ ، وأَنتم الدَّهْمُ الشُّجَعَاءُ ، أَفَيعْجزُ كلُّ عَشْرَة منكم
أَن يبطشُوا بوَاحِد منْهُم ؟ ! فَقَالَ أَبو الأَسَد الجَمْحِيُّ : أَنَا أَكْفِيكُمُ سَبْعَةَ عَشْرَةَ فاكْفُوني
أَنتم اثنيْنِ ! فَنَزَلَ ( 1 ) : ( وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَبَ النَّارِ إِلاَّ مَلئِكَةً ) أي : وما جَعَلْنَاهُم
رجالاً من جنْسِكُم فَتُطيقُونَهُم ( وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ) أي : وما
جَعَلْنَاهُم على هذا العَدَدِ إلاَّ فِتْنةً للذين لَم يؤْمنُوا بالله وبِحِكْمتِهِ ، ولَمْ يُذْعِنوا إذْعَانَ
المؤْمنينَ فيتعرَّضُون ويستَهزئُونَ . كأنَّه قَالَ : جَعَلْنَا عِدَّتَهُم عِدَّة من شأْنِها أَن يُفْتَتَنَ
بها لأَجْلِ استيقَانِ أَهلِ الكتَابِ ، لأنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةُ عَشَرَ في الكِتَابَيْنِ ( 2 ) ، فإذا
سَمِعُوا أَيْقَنوا أنَّه منْزَلٌ من اللهِ ، وازديادُ المؤْمنينَ إيْماناً لِتَصْديقِهِم بذلك ، وَلِمَا رَأَوْا
من تَصديقِ أهلِ الكتَابِ بِهِ ، وانتفَاءُ ارتيَابِ أَهل الكتَابِ والمؤْمنينَ .
وأَفَادَ اللاَّمُ في ( لِيَقُولَ ) معنَى السَّبَبِ وإنْ لم يكُنْ غَرَضاً ، و ( مَثَلاً ) تَمييزٌ أو
حَالٌ ، والعامِلُ معنَى الإِشَارةِ في ( هَذَا ) ، وسمَّوْهُ ( مَثَلاً ) استِعَارةً من المَثَلِ
المضْروبِ ؛ استِغْراباً منهم لهذا العَدَدِ ، يعنُونَ : أيَّ شيء أرادَ اللهُ بهذا العَدَدِ العَجيبِ ؟
وأيَّ غَرَض في أنْ جَعَلَهم تِسْعَةَ عَشَرَ لا عِشْرينَ ؟ ومُرادُهُم الإِنْكَارُ ، والكافُ في
مَوضِعِ نَصْب ، أي : مثْلُ ذلك الإِضْلالِ والهُدى ( يُضِلُّ اللهُ ) الكافرينَ ( وَيَهْدِى )
المؤْمنينَ . والمعنى : أنَّه يَفْعَلُ فِعْلاً حَسَناً على مقْتَضَى الحِكْمَةِ ، فَيَراهُ المؤْمنونَ
صَواباً حَسَناً فَيزيدُهُم إيْماناً وهُدىً ، ويُنْكِرُهُ الكافرونَ فَيزيدُهُم كُفْراً وضَلالاً .
هامش
( 1 ) رواه البغوي في تفسيره : ج 4 ص 417 عن ابن عباس والضحّاك ، وفيه : " أبو الأشدّ
الجمحي " .
( 2 ) أراد : التوراة والإنجيل .