نَطَقُوا بالإِيْمانِ عنْدَ المؤْمنينَ ، ثمَّ نَطَقُوا بالكُفْرِ إذا خَلَوْا بأَشْباهِهِم ( فَطُبِعَ عَلَى
قُلُوبِهِم ) فَجَسروا على كُلِّ عظيمة .
وكان عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ رَجُلاً جَسِيماً فَصِيحاً صَبِيحاً ، وقَومٌ من المنافقينَ في
مِثْلِ صِفَتِهِ ، وكانُوا يَحضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فَيستَندُونَ فيهِ ، فَشَبَّهَهُم اللهُ
سبحانَهُ في عَدَمِ الانتفاعِ بحُضُورِهِم وإنْ كانَت هياكِلُهُم مُعْجِبَةٌ وأَلْسِنَتُهُم ذَليقَةٌ
بِالْخُشُبِ الْمُسَنَّدَةِ إلى الحائِطِ ، أو : بالأَصنامِ المنْحُوتَةِ من الخَشَبِ ، والخطَابُ في
( رأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ ) لرسولِ اللهِ ، أو : لكلِّ مَنْ يُخَاطَبُ . وقَولُهُ : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ ) كَلامٌ
مستَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ ، أو : في مَحَلِّ رَفْع على : هُمْ كأَنَّهم خُشُبٌ ، وقُرِئَ : " خُشْبٌ " ( 1 )
وَ ( خُشُبٌ ) ، والتَّحريكُ لُغَةُ أَهْلِ الحُجَازِ واحِدَتُها : خَشَبَةٌ ، كَبَدَنَة وَبُدن ، وثَمَرَة
وثُمُر ، ( عَلَيْهِمْ ) مفْعُولٌ ثَان ، أي : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة ) وَاقِعَةً عليهم لِجُبْنِهِمْ إذا
نَادى مُنَاد في العَسْكَرِ ، أو : أُنْشِدَتْ ضَالَّةٌ ظَنُّوهُ إِيْقَاعاً بِهِم ، وَيُوقَفُ عَلى ( عَلَيْهِمْ )
وَيُبْتَدَأُ ( هُمُ الْعَدُوُّ ) أي : الكامِلُونَ في العَدَاوَةِ ( فَاحْذَرْهُمْ ) ولا يَغْرُرْكَ ظَاهِرُهُم
( قَتَلَهُم اللهُ ) دُعَاءٌ عَلَيْهم ، وطَلَبٌ من ذَاتِهِ أَن يَلْعَنَهُم ويُخْزِيهم ، أو : تَعليمٌ
للمؤْمنينَ أَن يَدْعُوا عليهم بذلكَ ( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) كَيفَ يُصْرَفُونَ عن الحقِّ مع وفُورِ
أَدلَّتِهِ .
( لَوَّوْاْ رُؤُوسَهُمْ ) عَطَفُوها وأَمالُوها إِعْراضاً عن ذلك واستِكْباراً ، قُرئَ
بالتَّخْفيفِ ( 2 ) والتَّشْديدِ للتَّكثيرِ ، أي : يَسْتَوي استغفَارُكَ لَهُم وعَدَمُ استغفَارِكَ لَهُم
لأنَّهم لا يَعْتَدُّونَ بِهِ لكُفْرِهِم ، أو : لأنَّ اللهَ لا يَغْفرُ لَهُم .
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو والكسائي والمفضّل عن عاصم . راجع كتاب السبعة في القراءات :
ص 636 .
( 2 ) وهي قراءة نافع والمفضّل عن عاصم . راجع المصدر السابق .