( رَهْبَةً ) مَصْدَرُ " رَهِبَ " المَبْني للمفْعُولِ ، كأنَّهُ قَالَ : أَشَدُّ مَرْهُوبيَّةً . وفي قَولِهِ :
( فِي صُدُورِهِمْ ) دَلاَلَةٌ على نفَاقِهِم ، والمَعْنَى : أنَّهم يُظْهِرُونَ لَكُم في العَلانيةِ خَوْفَ
اللهِ وأَنْتُم أَهْيَبُ في صُدُورِهِم من اللهِ ( لاَ يَفْقَهُونَ ) أي : لا يَعْلَمُونَ اللهَ حتَّى
يَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ .
( لاَ يُقَتِلُونَكُمْ ) لا يَقْدرُونَ على مقَاتَلَتِكُم ( جَمِيعاً ) مُجْتَمعينَ يعني : اليَهودَ
والمنافقينَ ( إِلاَّ ) كَائِنينَ ( فِي قُرىً مُحَصَّنَة ) بالخَنَادِقِ والدُّرُوبِ ( أَوْ مِنْ وَرَآءِ
جُدُر ) دونَ أن يَصْحَروا لَكُم ويُبَارزُوكُم ؛ لأنَّ اللهَ عزَّ اسمُهُ قَذَفَ الرُّعْبَ في
قُلُوبِهِم ، وقُرئ : " جُدَار " ( 1 ) ( بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) أي : قُوَّتُهُم وشَوكَتُهُم فيما بينَهُم
شَديدةٌ ، فإذَا لاَقُوكُم جَبُنُوا ولَمْ يَبْقَ لَهُم بَأْسٌ وَشِدَّةٌ ، لأنَّ الشُّجَاعَ يَجْبُنُ عنْدَ
مُحَارَبَةِ اللهِ ورَسُولِهِ ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً ) مجْتَمِعينَ ذَوي أُلْفة واتِّحاد في الظَّاهِرِ
( وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) مُتَفَرِّقةٌ مختَلِفَةٌ لاَ أُلْفةَ فيها ( لاَ يَعْقِلُونَ ) ما فيهِ الرُّشْدُ .
( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) أي : مَثَلُهُم كَمَثَلِ الَّذينَ قُتِلُوا بِبَدْر في زَمان قَريب ،
وذلكَ قَبْلَ إجْلاءِ بني النَّضيرِ بستَّةِ أَشْهُر ، وانتَصَبَ ( قَرِيباً ) ب ( مَثَل ) على معنى :
كَوجُودِ مَثَلِ أَهْل بَدْر قَريباً ، وعنِ ابنِ عبَّاس : إنَّ الَّذينَ مِن قَبْلِهِم بَنُو قَيْنقاع ( 2 ) ،
وذلك أنَّهُم نَقَضُوا العَهْدَ فَرَجَعَ رسُول اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من بَدْر فَأَمَرَهُم ( عليه السلام ) أَنَ يَخْرُجُوا ،
فَقَالَ عبدُ اللهِ بنُ أُبيٍّ : لا تَخْرُجُوا فإنِّي أَدخُلُ مَعَكُم الحِصْنَ فَكانَ هؤلاءِ في تَرْكِ
نُصْرَتِهِم كأُولئكَ ( ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ) سُوءَ عَاقِبَةِ كُفْرِهِم في الدُّنْيا ( وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ) في الآخرة .
مَثَلُ المنافقينَ في إغْرائِهِم اليَهُودَ على القَتَالِ وَوَعْدِهِم إيَّاهُم النَّصْرَ ثمَّ
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 632 .
( 2 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 569 .