مِنْ " دار الإِيمان " وَوَضَعَ المُضَافَ إليهِ مَقَامَهُ ( مِنْ قَبْلِهِم ) مِنْ قَبْلِ المُهَاجرينَ
لأنَّهم سَبَقُوهُم في تَبوُّءِ دَارِ الهِجْرَةِ والإِيْمانِ ( وَلاَ يَجِدُونَ ) ولا يَعْلَمُونَ في
أَنْفُسِهِم ( حَاجَةً مِمَّآ أُوْتُواْ ) أي : طَلَبَ مُحْتَاج إليهِ ممَّا أُوتي المُهَاجرُونَ من الفَيءِ
وغَيْرِهِ ، والمُحْتَاجُ إليهِ قَدْ يُسَمَّى حَاجَةً . يُقَالُ : خُذْ منْهُ حاجَتَكَ ، و : أَعْطَاهُ من مَالِهِ
حاجَتَهُ ، يَعْني : أنَّ نُفُوسَهُم لَمْ تَطْمَحْ إلى شَيء ممَّا أُعْطُوا يُحْتَاجُ إليهِ ( وَلَوْ كَانَ بِهمْ
خَصَاصَةٌ ) أي : خِلَّةٌ ، مِنْ : خَصَاصُ البَيْتِ وَهِيَ فُرُوجُهُ ، وكانَ رسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
قَسَّمَ أَمْوالَ بني النَّضيرِ على المُهَاجِرِينَ ، ولَمْ يُعْطِ الأَنْصارَ منْها شَيْئاً إلاَّ ثَلاَثَةَ نَفَرِ
كانَتْ بِهِم حَاجَةٌ ، وَهُم : أبو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ ، وسَهْلُ بنُ حُنَيْف ، والحَارِثُ بنُ
الصُّمَّة ، وقَالَ للأنْصَارِ : إنْ شِئْتُم قَسَّمْتُم للمهاجرينَ من أَموالِكُم وديارِكُم
وَشَاركْتُمُوهُم في هذهِ الغَنيمةِ ، وإنْ شِئْتُم كانَتْ لَكُم دِيارُكُم وَأَمْوالُكُم وَلَمْ يُقَسَّمْ
لَكُم شَيءٌ من الغَنيمةِ ، فَقَالَتِ الأَنْصارُ : بَلْ نُقَسِّمُ لَهُم من دِيَارِنا وأَمْوالِنا ونُؤْثِرُهُم
بالقِسْمَةِ ولا نُشَارِكُهُم فيهَا ، فَنَزَلَتْ ( 1 ) . والشُّحُّ : اللُّؤْمُ ، وأَن تَكُونَ نَفْسُ المَرْءِ
حَريصَةً علَى المَنْعِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
يُمَارِسُ نَفْساً بَيْنَ جنْبَيْهِ كَزَّةً * إذَا هَمَّ بالمعرُوفِ قَالَتْ لَهُ مَهْلاَ ( 2 )
وَقَد أُضِيفَ إلى " النَّفْسِ " لأنَّهُ غَريزَةٌ فيها ، وأَمَّا البُخْلُ فَهُو مَنْعُ نَفْسِهِ ، والمَعْنى :
وَمَنْ غَلَبَ ما أَمَرَتْهُ بهِ نَفْسُهُ وخَالَفَ هَوَاها بِتَوفيقِ اللهِ وعَوْنِهِ ( فَأُولئِكَ هُمُ )
الظَّافِرُونَ بِمَا أَرادُوا . وقيلَ : ( الَّذِينَ تَبَوَّءُواْ ) مبتَدَأٌ ، وخَبَرُهُ ( يُحبُّون مَنْ هَاجَرَ
إلَيْهِمْ ) لأنَّهُ ( عليه السلام ) لَمْ يُقَسِّمْ لَهُم في بني النَّضيرِ إلاَّ للثَّلاثَة ( 3 ) .
هامش
( 1 ) رواه الواحدي في أسباب النزول : ص 356 ح 860 عن يزيد بن الأصمّ .
( 2 ) لم نعثر على قائله . والبيت يصف رجلاً بالبخل ، وكزَّة : أي شحيحة منقبضة عن فعل الخير .
( 3 ) ذكره النحّاس في إعراب القرآن : ج 4 ص 396 .