وَأُمِرْتُ لأِعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَآ أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ لاَ حُجَّةَ
بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 15 ) )
( فَاطِرٌ ) خَبَرٌ بَعد خَبَر ل ( ذلِكُم ) ، أو خَبَرُ مبتَدأ محذُوف ، أي : خَلَقَ لَكُم من
جنْسِكُم ( أَزْوجَاً ) وخلق ( الأنعم ) أيضاً من أجناسها ( أَزْوَجاً يَذْرَؤُكُمْ )
يُكثِّرُكُم ( فيهِ ) في هذا التَّدبيرِ ، وهو أَن جَعَلَ بين الذُكورِ والإِنَاثِ من النَّاسِ
والأَنْعام التَّوالِدَ والتَّنَاسُلَ ، والضَّميرُ في ( يَذْرَؤُكُمْ ) يَرجعُ إلى المُخَاطَبينَ والأَنْعامِ
( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ ) وهو كَقَولِهِم : مِثْلُكَ لا يَبْخُلُ ، والمُرادُ : نَفْيُ البُخْلِ عن ذاتِهِ ،
وهو من بابِ الكنَايةِ ، لأنَّهم إذا نَفَوْا الشَّيء عمَّن يَسُدَّ مَسَدَّهُ فَقَد نَفَوْهُ عنْهُ ، فالمعنى :
نَفْيُ المماثلةِ عن ذاتِهِ سبحانَهُ ، فلا فَرْقَ بينَ أَن يُقَالَ : ليس كاللهِ شيءٌ ، وأَن يُقَالَ :
ليس كَمِثْلِهِ شَيءٌ ، إلاَّ فَائِدَة الكِنَايةِ ، وقيلَ : كُرِّرتْ كلمةُ التَّشْبيهِ للتأْكيدِ ( 1 ) كَمَا
كُرِّرتْ في قَولِ الشَّاعِرِ :
وَصَاليات كَكَما يُؤثفَيْنَ ( 2 )
( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ) دينِ نُوح ومحمّد ومَن بينَهُما من الأنبياءِ ، ثمَّ فَسَّرَ
المشْرُوعَ الذي اشتَركَ هؤلاء الرُّسُلُ فيهِ بقَولِهِ : ( أنْ أَقِيمُوا الْدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ )
والمُرادُ : إِقَامةُ دينِ الإِسلامِ الَّذي هو تَوحيدُ اللهِ وطاعتُهُ والإِيمانُ برُسُلِهِ وحُجَجِهِ
وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ، ومَحَلُّ ( أَنْ أَقِيمُواْ ) نَصْبٌ بَدَلٌ من مفْعُولِ ( شَرَعَ ) والمعْطُوفين
عليهِ ( كَبُرَ عَلَى المُشْرِكِينَ ) أي : عَظُمَ عليهِم وشَقَّ ( يَجْتَبِى إِلَيْهِ ) والضَّمير
ل ( الْدِينِ ) أي : يَجْتَلِبُ إليهِ بالتَّوفيقِ ( مَنْ يَشَاءُ ) من يُجْدِي عليهِم لُطْفَهُ .
هامش
( 1 ) قاله الزجَّاج في معاني القرآن : ج 4 ص 395 .
( 2 ) لخِطَام الريح المجاشعي الراجز ، وهو خِطَام بن نصر بن عياض ، وقيل : اسمه بشْر ، والبيت
من قصيدة له يصف فيها آثار ديار مهجورة . راجع خزانة الأدب للبغدادي : ج 2 ص 313 .