ذلكَ الوُجُوبِ وَجَبَ على الكَفَرَةِ كونُهُم من أَصْحَابِ النَّارِ ، والمعنى : كَمَا وَجَبَ
إهلاكُهُم في الدُّنيا بِعَذَابِ الاستئصالِ كذلكَ وَجَبَ إهلاكُهُم في الآخرة بِعَذَابِ
النَّارِ ، أو في مَحَلِّ النَّصْبِ على حَذْفِ لامِ التَّعليلِ وإيْصالِ الفعلِ ، و ( الَّذينَ كَفَرُواْ )
كفَّارُ مكَّةَ أي : كَمَا وَجَبَ إهْلاكُ أُولئِكَ الأُمَمِ كذلكَ وَجَبَ إهْلاكُ هؤلاءِ ، لأنَّ علَّةً
واحِدَةً تَجمَعُهُم أنَّهُم من أصحابِ النَّارِ ، وقُرئ : " كَلِمَاتُ " على الجَمْعِ ( 1 ) .
ثمَّ ذَكر سبحانَهُ بعد ذِكْر حالِ الكفّارِ حالَ المؤمنين الأَبرارِ وأنَّ الملائكةَ
المقرَّبينَ يمدُّونَهُم بالاستغفارِ فَقَالَ : ( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ) على عَواتِقِهِم
امتثالاً لأمر اللهِ ( وَمَنْ ) حَوْلَ العَرشِ من الملائكةِ المطيفينَ بِهِ وهم الكرُّوبيُّون
وسَادَةُ الملائكةِ ( يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) وينزِّهُوْنَه عَمَّا يَصِفُهُ بهِ هؤلاء
المجادِلُونَ ، أو : يسبِّحُونَهُ بالتَّسبيحِ المعهودِ ، أي يقولُونَ : ( رَبَّنَا ) وهذا المضمر ( 2 )
في محلِّ الرَّفْعِ بياناً ل ( يَسْتَغْفِرُونَ ) أَو نَصْب حالاً ، ( وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً
وَعِلْماً ) الرَّحمةُ والعِلْمُ هما اللَّذان وَسِعَا كلَّ شيء في المعنى ، والأَصلُ : وَسِعَ كُلَّ
شئ رحمتُكَ وعِلْمُكَ ، فأَسنَدَ الفعلَ إلى صاحبِهِما وأُخْرجَا منصوبَيْنِ على التمييز
للإِغْراقِ في وَصْفِهِ بالرَّحمةِ ، كأنَّ ذاتَهُ سبحانَهُ رحمةٌ وعِلمٌ واسِعَانِ كُلَّ شيء
( فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ ) عُلِمَتْ منْهُم التَّوبةُ واتِّباعُ ( سَبيلكَ ) وَسَبيلُ الله : الحقُّ الذي دَعَا
عبادَهُ إليهِ ، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ قبولَ التَّوبةِ وإسقاطَ العقابِ عندَهَا تفضُّلٌ من
اللهِ تعالى ، إذْ لو كانَ واجِباً لما احتيجَ فيهِ إلى الدُّعاءِ والسُّؤال .
( وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ ) أي : العقُوباتِ ، سَمَّاهَا سيِّئات اتِّساعاً ، أو : جَزَاءَ السَّيِّئاتِ
فَحَذَفَ المُضَافَ .
هامش
( 1 ) قرأه نافع وابن عامر . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 567 .
( 2 ) في نسخة : " الضمير " .