وَقُرئ : " بِمَفَازَاتِهِم " عَلَى الجَمْعِ ( 1 ) ، والمَفَازَةُ والفَوْزُ واحِدٌ ، ومَن جَمَعَ فلأنَّ
المَصَادِرَ قَد تُجْمَعُ إذا اختُلِفَتْ أَجْنَاسُها . وقُرئ : " يُنْجِي " ( 2 ) و ( يُنَجِّى ) ، وتَفسيرُ
المفَازَةِ قَولُهُ : ( لاَ يَمَسُّهُمُ الْسُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ، أو : أَرادَ بِسَبَبِ منْجَاتِهِمِ
وهو العَمَلُ الصَّالحُ ، فَقَولُهُ : ( لاَ يَمَسُّهُم ) على التَّفسير الأوَّل لا مَحَلَّ له لأنَّهُ كلامٌ
مستأْنَفٌ ، وعلى الثَّاني محلُّهُ نَصْبٌ على الحال .
( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوتِ وَالأْرْضِ ) أي : هو مالِكُ أَمْرِها وحَافِظُها ، وهو من بابِ
الكنايةِ ، لأنَّ حَافِظَ الخَزَائِن هو الذي يَملُكُ مقاليدَها ، والمَقَاليدُ : المفاتيحُ لا واحِدَ
لَهَا مِنْ لَفْظِها ( وَالَّذِينَ كَفَرُواْ ) متَّصِلٌ بقَولِهِ : ( وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ ) ،
واعتَرَضَ بينَهُما بأنَّهُ خَالِقُ الأشياءِ والمُهَيْمِنُ عليها ، فلا يَخْفى عليهِ ما يَستَحِقُّ
علَى الأعمالِ من الجَزَاءِ ، ( وَالَّذِينَ ) جَحَدُوا أَن يكُونَ الأَمْرُ كذلكَ ( أُولئِكَ هُمُ
الْخَسِرُونَ ) .
( أَفَغَيْرَ اللهِ ) منصُوبٌ ب ( أَعْبُدُ ) ، و ( تَأْمُرُونِّى ) اعتِراضٌ ، فالمعنى : أَفَغَيرَ
اللهِ أعْبُدُ بأَمْرِكُم ؟ وذلكَ حين قَالَ له المشركُونَ : اسْتَسْلِمْ بعضَ آلهتِنَا نُؤْمِنُ بإلهكَ ،
أو : منصُوبٌ بما يَدُلُّ عليهِ جُملةُ قَولِهِ : ( تَأمُرُونِّى أَعْبُدُ ) لأنَّهُ في معنى " تُعبِّدونَني
وتقُولُون لي : اعبُدْ " فكذلكَ : أَفَغَيْر الله تَأْمرونَني أن أَعبُدَ ، وقُرئ : ( تَأْمُرُونِّى )
بالتَّشديدِ للإِدغَامِ ، وَجَازَ الإِدْغَامُ لأنَّ قبل النُّونِ المدغمةِ حَرْفٌ ليِّنٌ وهو الواو ،
و " تَأْمُرُونَني " بنونين ( 3 ) علَى الأصلِ ، و " تَأْمُرُوني " بحَذْفِ النُّونِ الثَّانيةِ ( 4 )
لأنَّ الأُولى علامةُ الرَّفْعِ ، وفَتْحُ الياءِ وإسْكانُهَا مَعَاً سَائِغٌ .
هامش
( 1 ) قرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 563 .
( 2 ) وهي قراءة يعقوب . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 648 .
( 3 ) قرأه ابن عامر . راجع التذكرة في القراءات : ج 2 ص 649 .
( 4 ) وهي قراءة نافع وحده . راجع المصدر السابق .