( أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ ) أي : كَراهَةَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ، وإنَّما نُكِّرَتْ لأنَّ المُرادَ بها بَعضُ
الأنْفُسِ ، وهي نَفْسُ الكافرِ أو نَفْسٌ متميِّزةٌ من الأنْفُسِ . وقُرئ : " يَا حَسْرَتَايَ " ( 1 )
علَى الجَمْعِ بين العِوَضِ والمُعَوَّضِ عنه ، وَالْجَنْبُ : الجَانِبُ ، قَالُوا : فَرَّطْتُ في جَنْبِهِ
وفي جَانِبِهِ أي : في حقِّهِ ، قَالَ :
أَمَا تتَّقِينَ اللهَ فِي جَنْبِ وَامِق * لَهُ كَبِدٌ حَرَّى عَلَيْكِ تَقَطَّعُ ( 2 )
وهذا من بابِ الكنَايةِ ، لأنَّكَ إذا أَثْبَتَّ الأمْرَ في مكانِ الرَّجُلِ فَقَد أَثْبَتَّهُ فيهِ ،
قَالُوا : لِمَكانِكَ فَعَلْتُ كَذَا ، أو : مِنْ جِهَتِكَ فَعَلْتُ ، أي : لأَجْلِكَ ، فالتَّقديرُ : فرَّطْتُ في
ذاتِ اللهِ ، ولا بدّ من تَقدير مُضاف محذوف ، سَواءٌ قيلَ : " في جَنْبِ اللهِ " أو " في
اللهِ " فإنَّ المعنى : فَرَّطْتُ في طاعةِ اللهِ وعبادةِ اللهِ ونَحوهما ، و " مَا " في ( مَا
فَرَّطتُ ) مَصْدَريَّةٌ ، ( وإنْ كُنْتُ لَمِنَ الْسَّخِرِينَ ) " إنْ " مخفَّفةٌ من الثَّقيلةِ ، قالَ
قَتادةُ : لَمْ يَكْفِهِ أَنْ ضَيَّعَ في طاعةِ اللهِ حتَّى سَخِرَ من أَهْلِها ( 3 ) والجُملةُ في مَوضِعِ
الحالِ ، فكأنَّهُ قَالَ : فَرَّطْتُ وأَنَا سَاخِرٌ ، أي : فَرَّطْتُ في حالِ سُخْرِيَتي .
( أو تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدَنِى ) إنَّما يقُولُ هذا تحيُّراً في أَمْرِهِ وتَعَلُّلاً بما لا يُجْدي
عليهِ ، كَمَا حَكَى اللهُ تعالى عنْهُم تعلُّلَهُم بإغواءِ الرُّؤساءِ والشَّياطينِ ، وقَولُهُ :
( بَلَى قَدْ جَآءَتْكَ ءَايَتِى ) رَدٌّ عليهِ من اللهِ عزَّ اسمُهُ ، والمعنى : بَلَى قَدْ هُدِيْتَ
بالقُرآنِ فَكَذَّبْتَ بهِ واستَكْبَرْتَ عنْ قبولِهِ وكَفَرْتَ بِهِ ، وإنَّما صَحَّ وقُوعُ " بلى " جواباً
عن غيرِ المنْفي لأنَّ معنى قَولِهِ : ( لَوْ أنَّ اللهَ هَدَنى ) ما هُدِيْتُ . ( كَذَبُواْ عَلَى الله )
وَصَفُوهُ بما لا يَجُوزُ عليهِ ، فأَضَافُوا إليه الوَلَدَ والشَّريكَ وقَالُوا : ( هَؤُلآءِ شُفَعَؤُنَا
هامش
( 1 ) وهي قراءة أبي جعفر . راجع شواذ القرآن لابن خالويه : ص 131 .
( 2 ) لجميل بثينة . من قصيدة يستعطف بها صاحبته . راجع ديوان جميل : ص 52 .
( 3 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 138 .