الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ
إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) )
( قُرْءاناً عَرَبِيّاً ) حَالٌ مؤكِّدةٌ كَمَا يُقالُ : جاءَني زَيْدٌ رَجُلاً صَالِحَاً ، أو ينْتَصِبُ
على المَدْحِ ( غَيْرَ ذِي عِوَج ) أي : مُستقيماً بَريئاً من التَّناقُض والاختلافِ ، والعِوَجُ
مخصُوصٌ بالمَعَاني دونَ الأَعيانِ
أي : رجلاً مملُوكاً قد اشتَركَ فيه شُرَكَاءٌ بينَهُم اختلافٌ وتَنَازعٌ ، كلُّ وَاحِد مِنْهُم
يدَّعِي أنَّه عَبْدُهُ فَيَتَعَاوَرُونَهُ في خِدْمَتِهم ( وَرَجُلاً ) آخَرَ قَد سَلمَ لمالك واحد
وخَلُصَ لَهُ ، فهو معتَمدٌ عليهِ فيما يُصْلِحُهُ ، فهمُّه واحِدٌ : أيُّ هذينِ العبدَيْنِ أَحْسَنُ
حَالاً وأَصْلَحُ أَمراً . والمرادُ بذلكَ تَمثيلُ حَالِ مَنْ يُثْبِتُ آلهةً شتَّى ، وما يُلْزِمُهُ على
قضيَّةِ مذهبِهِ من أن يدَّعي كلُّ واحد منهم عبوديَّتَهُ ويَتَشَاكسُوا في ذلك ويَتَغَالبُوا ،
ويبقى هو متحيِّراً ضائِعَاً لا يدري أيَّهم يَعْبُدُ وعلى أيِّهم يعتَمِدُ ، وحالِ مَنْ لَمْ يُثْبِت
إلاَّ إلهاً واحداً فهو قَائِمٌ بمَا كَلَّفَهُ ، عَارِفٌ بمَا أَرْضَاه وأَسْخَطَهُ ، و ( فيهِ ) تَعَلَّقَ
ب ( شُرَكَآء ) ، كأنَّهُ قَالَ : اشتَركوا فيهِ ، والتَّشاكُسُ والتَّشَاخُسُ : الاختلافُ ، يقَالُ :
تَشَاكَسَتْ أَحوالُهُ وتَشَاخَسَتْ أَسنانُهُ ، والسَّالمُ : الخَالِصُ ، وقُرئ : ( سَلَماً )
وَ " سِلْماً " ( 1 ) وهُمَا مَصدَرَانِ ، يُقَالُ : سَلِمَ سَلَماً وَسَلْماً وسَلاَمةً ، والمعنى : ذا سَلاَمَة
لرَجُل ، أي : ذا خُلُوص لَهُ من الشِّرْكَةِ مِنْ قَولِهِم : سَلِمَتْ لَهُ الضَّيعةُ .
( هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ) أي : صِفَةً منصوبٌ على التَّمييزِ ، والمعنى : هَلْ يستَوي
صِفَتَاهُمَا وحَالاهُمَا ( اْلحَمْدُ للهِِ ) أي : يَجبُ أَن يكُونَ الحَمْدُ موجَّهَاً إلى اللهِ الَّذي
لا شَريكَ له وَحْدَهُ دونَ كلِّ معبود سِوَاهُ ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) فَيشركُونَ بهِ غَيْرَهُ .
هامش
( 1 ) وهي قراءة ابن كثير والبصريان ( أبي عمرو ويعقوب ) راجع التذكرة في القراءات لابن
غلبون : ج 2 ص 647 .