( أَفَمَنْ ) عَرفَ اللهُ أَنَّهُ من أهلِ اللُّطْفِ فَلَطُفَ بهِ حتَّى انشَرَحَ صَدرُهُ للإِسلامِ
وقَبِلَه كَمَنْ لا لُطفَ بهِ ، فهو حَرجُ الصَّدْرِ قَاسي القَلْب ، ونُورُ اللهِ لُطْفُهُ ، وهو نَظيرُ
( أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ) في حَذْفِ الخبرِ في ذِكْرِ اللهِ ، أي : من أجلِ ذِكْرِ اللهِ ، أي : إذا ذُكِرَ
اللهُ وآياتُهُ عندَهُم اشَمَأَزُّوا وازدَادَتْ قلوبُهُم قَسْوةً .
( كِتَباً ) بَدَلٌ من ( أحسَنَ الْحَدِيثِ ) أَو حالٌ منْهُ ، ( مُتَشبِهًا ) هو مطلقٌ في
مُشَابَهَةِ بعضِهِ بَعضَاً ، فيتناوَلُ تَشَابُهَ مَعَانيهِ في الصِّحَّةِ والإحكامِ ومنْفَعةِ الأَنَام ،
وتَشَابُهَ ألفَاظِهِ في التَّنَاسبِ والتَّناصف في التَّخيّرِ والإِصابةِ وتَجاربِ النَّظْمِ
والتَّأليفِ في الإِعْجَازِ ( مَثَانِيَ ) جَمْعُ مَثْنَىً ، بمعنَى المردَّدِ والمكرَّرِ لِمَا ثُنِّيَ من
قَصَصِهِ وأحكامِهِ ومواعظِهِ ، وقيلَ : لأنَّهُ مَثْنَىً في التِّلاوةِ فلا يُمَلُ ( 1 ) ، كما جاءَ في
وَصْفِهِ : " لا يَتْفَهُ ولا يَتَشَانُّ " ( 2 ) " ولا يَخْلَقُ على كَثْرَةِ الرَّدِّ " ( 3 ) ، وإنَّما وَصَفَ
الواحِدَ بالجَمْعِ لأنَّ الكتابَ جملةٌ ذَات تَفَاصِيل ، وَتَفَاصيلُ الشَّيء هي جُملَتُهُ لا
غَيْرَ . ويجوزُ أن يكُونَ " المثانِي " مَنْصُوباً على التَّمييزِ من ( مُتَشَبِهاً ) كما تقُولُ :
رأيتُ رجُلاً حَسَناً شَمَائلَ ، والمعنى : متشَابِهةً مَثَانِيَةً ، والفائدةُ في التَّكريرِ والتَّثنيةِ
أنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عن النَّصيحةِ والمواعظِ ، فَمَا لَمْ يُكرَّرْ عليها عَوْداً بعدَ بدْء لَمْ يَرسَخْ
فيها ( تَقْشَعِرُّ ) أي : تَتَقَبَّضُ ( مِنْهُ ) جُلُودُهُم تَقَبُّضاً شَديداً ، يُقَالُ : اقْشَعَرَّ جلدُهُ من
الخَوفِ : وَقَفَ شَعْرُهُ ، ومعنَاهُ : أنَّهم إذا سَمِعُوا القُرآنَ وآياتِ الوعيدِ فيهِ أَصَابَتْهُم
خشيةٌ شديدةٌ ، ثمَّ إذا ذَكَروا اللهَ ورحمتَهُ وَسِعَةَ مَغْفرتِهِ لاَنَتْ جُلُودُهُم ، وضمَّن
هامش
( 1 ) قاله ابن عيسى . راجع تفسير الماوردي : ج 5 ص 123 .
( 2 ) وهو من حديث ابن مسعود في وصف القرآن . راجع النهاية لابن الأثير : ج 1 ص 192 مادة
" تفه " أي : لا يصير حقيراً ولا ييبس فيغدو عديم الفائدة .
( 3 ) وهو من حديث أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصف كتاب الله المروي في النهج : ص 219 خطبة
( 156 ) ضبط صبحي الصالح .