بالقُرآنِ والتَّوحيدِ ، ثمَّ هدَّدَ مَنْ هذه صفتُهُ بأنَّ في جهنَّمَ مَثْواهُ ، والاستفهامُ للتَّقْريرِ .
( وَالَّذِي جَآءَ بِالْصِّدْقِ ) وصَدَّقَ بهِ هُوَ رَسولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جاءَ بالحَقِّ وَامَنَ بهِ وأرادَ
بهِ إيَّاهُ ومَنْ تَبِعَهُ ، كَمَا أَرادَ بمُوسى إيَّاهُ ومَنْ تَبعَهُ في قَولِهِ : ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى
الْكِتَبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) ( 1 ) ولذلكَ قَالَ : ( أُولئِكَ هُمْ الْمُتَّقونَ ) ، إلاَّ أَنَّ هذا في
الصِّفَةِ وذاكَ في الاسمِ ويجوزُ أَن يُريدَ الفريقَ الَّذي جَاءَ بالصِّدقِ وصَدَّقَ بِهِ ، وَهُمْ
الرَّسُولُ والَّذينَ صَدَّقُوا به من المؤْمنينَ .
و ( أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ ) هو الشِّرْك والمَعَاصي الَّتي عَملُوها قَبْلَ إيمانِهِم ،
و ( أَحْسَن الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) هُوَ المَفْروضُ والمندوبُ إليهِ من أعمالِهِم ، فإنَّ
المُبَاحَ يُوصَفُ بالحُسْنِ أيضاً .
( أَلَيْسَ اللهُ بِكَاف عَبْدَهُ ) وهو رسُولُ اللهِ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وقُرِئ : " عِبَادَهُ " ( 2 ) وهم
الأَنْبياءُ . وقُرِئ : ( كَشِفَتُ ضُرِّهِ ) و ( مُمْسِكَتُ رَحْمَتِهِ ) بالتَّنوينِ ( 3 ) على
الأَصْلِ ، وبالإِضافةِ على التَّخفيفِ ، وأَنَّثهُنَّ بعدَ التَّذْكيرِ في قَولِهِ : ( وَيُخَوِّفُونَكَ
بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ) لِيُضَعِّفَهُنَّ ويُعْجِزَهُنَّ ، زيادَة تَضْعيف وتَعْجيز عَمَّ طالَبَهُم بهِ من
كَشْفِ الضُّرِّ وإمْسَاكِ الرَّحمةِ ، لأنَّ الأُنُوثَةَ من بابِ اللِّينِ والرَّخاوةِ ، كما أَنَّ الذُّكُورةَ
من بابِ الشِّدَّةِ والصَّلاَبةِ ، فكأنَّهُ قَالَ : الإِنَاثُ اللاَّتي هُنَّ اللاَّتُ وَالْعُزَّى وَمَنَاةُ
أَضْعَفُ مِمَّا تَدعُونَهُ لَهُنَّ وَأَعْجَزُ .
( اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ ) عَلَى حالَتِكُمْ الَّتي أَنْتُم عَلَيْهَا وَجِهتِكُم من العَدَاوةِ
الَّتي تَمَكَّنْتُم مِنْها ، والمَكَانَةُ بمعنَى المَكانِ ، فاستُعِيرَتْ عن العَيْنِ للمعنى كما
هامش
( 1 ) المؤمنون : 49 .
( 2 ) قرأه حمزة والكسائي . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 648 .
( 3 ) قرأه أبو عمرو وعاصم برواية أبي بكر عنه . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 562 .