الْمُسْلِمِينَ ) أي : سابقَهُم ومقَدَّمَهُم في الدُّنيا والآخرةِ ، والمعنى : أنَّ الإِخْلاصَ لَهُ
السَّبقَةُ في الدِّينِ ، فَمَنْ أَخْلَصَ كانَ سَابِقاً .
وكرَّرَ في قَولِهِ : ( قُل اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ) لأنَّ الأوَّلَ للإِخْبارِ بأنَّهُ مأْمُورٌ
بالعبادَةِ والإِخْلاصِ ، والثَّاني : للإِخْبارِ بأنَّهُ يَخُصُّ اللهَ بعبادتِهِ مخْلِصَاً لَه دينَهُ ، ولذلك
قَدَّمَ المعبودَ على فِعْلِ العبادةِ وأَخَّرَهُ في الأوَّل ، فالكلامُ أوَّلاً في الفِعْلِ نَفْسِهِ ، وثانياً
فيمَنْ يَفْعَلُ الفِعْلَ لأجلِهِ ، ولذلك رَتَّبَ عليهِ قَولَهُ : ( فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِنْ دونه ) ،
( قل إنّ ) الكاملين في الخسران هم ( الذين خسروا أنفسهم ) بأنّ قذفوها في
الجحيم ( وَ ) خسروا ( أهليهم ) الذين أعدّوا لهم في جنّة النعيم ، ثُمّ ذكر ان
خسرانهم بلغ الغاية في قوله : ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) بأن صدّر الجملة
بحرف التنبيه ، ووسّط الفصل بين المبتدأ والخبر ، وعرّف الخسران ووصفه بالمبين .
( لهم مِنْ فَوْقِهمْ ظُلَلٌ ) جَمْعُ ظُلَّة وهي السُّتْرَةُ العاليةُ أَي : أَطْباقٌ من النَّار
( وَمِن تَحْتِهِمْ ) أَطْباقٌ وهي ( ظُلَلٌ ) للآخرينَ ، لأنَّ النَّارَ أَدْرَاكٌ ( ذلِكَ ) الَّذي
وُصِفَ من العَذَابِ ( يُخَوِّف اللهُ بِهِ عِبَادَهُ ) ليتَّقُوا عَذَابَهُ بامتثالِ أَوامِرِهِ ( يَعِبَادِ
فَاتَّقُونِ ) فَقَدْ أَلْزَمتكُم الحُجَّة .
و ( الْطَّغُوت ) تُطلَقُ علَى الشَّيطانِ والشَّياطينِ لكونِها مصدَراً ، والمُرادُ بها
هنا الجَمْعُ ، ( أنْ يَعْبُدُوهَا ) بَدَلٌ من ( الطَّغُوت ) وهو بَدَلُ الاشتِمَالِ ، وأرادَ
بعبَادِهِ : ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) الَّذِينَ اجتَنَبُوا الطَّاغُوتَ وأَنَابُوا
لا غَيرُهُم ، فَوَضَعَ الظَّاهرَ مَوضِعَ المُضْمَر ، أَرادَ : أنَّهُمْ نُقَّادٌ في الدِّينِ ، يُميِّزونَ بين
الْحَسَنِ والأحْسَنِ ، وَيَدْخُلُ تحتَهُ المذَاهِبُ واختيارُ أَثْبتِهَا وأَقْواها .
التَّقديرُ : ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ ) هُ تُخَلِّصُهُ من ( النَّارِ )
فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوضِعَ المُضْمَرِ ، وقيلَ : إنَّ الوَقْفَ على كَلِمة ( العَذَابِ ) أَي : أَفَهُوَ
تفسير جوامع الجامع — صفحة 214
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢١٤