تُصْرَفُونَ ) فكيفَ يُعْدَلُ بِكم عن عبادتِهِ إلى عبادةِ غَيْرِهِ ( فَإنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ )
وعن إيمانِكُم ، وأَنْتُم المحتاجُونَ إليهِ ( وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) بهِ ؛ رحمةً لَهُم
لأنَّهُ سَبَبُ هَلاَكِهِم ( وَإِنْ تَشْكُرُواْ ) يَرْضَ الشُّكْرَ لَكُم لأنَّهُ سَبَبُ فَوزِكُم وفَلاحِكُم ،
وإنَّما كَرهَ كُفْرَكُم ورَضِيَ شُكْرَكُم لأجلِ نَفْعِكُم وَصَلاحِكُم ، لا لِمَنْفَعة راجعة إليهِ ،
والهاءُ في ( يَرْضَهُ ) ضَميرُ " الشُّكْر " الذي دَلَّ عليهِ ( إِنْ تَشْكُرُواْ ) .
( مُنِيباً إلَيْهِ ) راجِعَاً إليهِ وحدَهُ لا يَرجُو سِوَاهُ ( ثُمَّ إذَا خَوَّلَهُ ) أي : أَعْطَاهُ ،
وأَصلُهُ : جَعَلَهُ خَائِلَ مال وخَالَ مال ، وهو أن يكُونَ متعهِّداً لَهُ حُسْنَ القيامِ بهِ ، أو :
جَعَلَهُ يَخُولُ أي : يختالُ ويَفْتَخِرُ ، ومنْهُ المَثَلُ : " الغنيُّ طويلُ الذَّيلِ ميَّاسٌ " ( 1 )
( نَسِيَ ) الضُّرَّ الَّذي ( كَانَ يَدْعُوْا ) اللهَ إلى كَشْفِهِ ، وقيلَ معنَاهُ : نَسِيَ ربَّهُ الَّذي كانَ
يَتَضَرَّعُ إليهِ ( 2 ) ، و ( مَا ) بمعنى " مَنْ " ، كَمَا في قولِهِ : ( وَمَا خَلَقَ الْذَّكَرَ
وَالاْنْثَى ) ( 3 ) ، وقُرئ : ( لِيُضِلَّ ) بفَتْحِ الياءِ ( 4 ) وضَمِّها ، يعني : أنَّ نتيجةَ جَعْلِهِ للهِ
أَنْداداً ضَلالُهُ عن سبيل اللهِ أو إضْلالُهُ ، والنَّتيجةُ قد يكُونُ غَرَضَاً في الفعلِ وقَد
يكُونُ غَيْرَ غَرَض ، ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إنَّكَ مِنْ أَصْحَبَ الْنَّارِ ) أَمْرٌ في مَعْنَى
الخَبَر ، كقَولِهِ : " إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصنَعْ ما شِئْتَ " ( 5 ) كأنَّهُ قيلَ لَهُ : إذْ قد أَبَيْتَ قبولَ
ما أُمِرْتَ به من الإِيمانِ ، فَمِنْ حَقِّكَ أن لا تُؤْمَرُ به بعدَ ذلكَ ، وتَؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مبالغةً
في خذْلانِهِ وتَخْليَتِهِ وشَأْنهِ .
هامش
( 1 ) أي صاحب المال والغنى لا يستطيع أن يكتم غناه عن الآخرين لأنّه يظهر في جميع أفعاله
وخصوصاً في مشيته . والميّاس : المتبختر المختال في مشيته . راجع مجمع الأمثال للميداني :
ج 1 ص 36 .
( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 116 .
( 3 ) اللّيل : 3 .
( 4 ) قرأه ابن كثير وأبو عمرو . راجع العنوان في القراءات لابن خلف : ص 165 .
( 5 ) أخرجه البغدادي في تاريخه : ج 12 ص 136 ، وابن كثير في البداية والنهاية : ج 12 ص 54 .