قُرئ : ( أَمَّنْ هُوَ قَنِتٌ ) بالتَّخفيفِ والهمزةِ للاستفهامِ ( 1 ) ، وبالتَّشديدِ على
إدْخَالِ " أَمْ " على " مَنْ " والتَّقديرُ : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ كَغَيْرِهِ ، فَ ( مَن ) مبتدأٌ محذُوفُ
الخَبَرِ لدلالةِ الكَلاَمِ عليهِ ، وهو جَرْيُ ذكْر الكافر قَبلَهُ ، وقولُهُ بَعدَهُ : ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي
الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) ، وَقيلَ : معناهُ : أَهَذَا أَفْضَلُ أَمْ مَنْ هُوَ قانِتٌ ؟ أَو :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ أَفضلُ أَمْ مَنْ هُوَ كَافر ( 2 ) ؟ ( آنَاءَ الَّليْلِ ) ساعاتُهُ ( سَاجِداً وَقَآئِماً )
يَسْجدُ تَارةً للصَّلاةِ ويقُومُ أُخرى ، يُريدُ صَلاةَ اللَّيل والقُنُوتَ في الوتْرِ وهو دعاءُ
المُصَلِّي قَائِمَاً ، وفي الحديثِ : " أفضلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ " ( 3 ) . وأراد بالَّذين
يَعلَمُونَ : العاملينَ من عُلماءِ الدِّينِ ، كأنَّهُ جَعَلَ مَن لا يَعْمَلُ بعلْمِهِ غَيْرَ عَالِم ، أَو
يُريدُ : لا يَسْتَوي القانِتُونَ وغَيْرُهُم كَمَا لا يَستَوي العالِمُونَ والجَاهِلُونَ .
وعن الصَّادقِ ( عليه السلام ) : " نَحْنُ ( الَّذِينَ يعلَمُونَ ) ، وَعَدُوُّنا ( الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )
وشيعتُنَا ( أُولُواْ الأَلْبَبِ ) ( 4 ) " .
قَولُهُ : ( فِي هذِهِ الْدُّنيَا ) يَتَعَلَّقَ ب ( أحْسَنُواْ ) لا ب ( حَسَنَة ) ، والمعنى : الَّذين
أحْسَنُوا في هذه الدُّنيا فَلَهُم حَسَنةٌ في الآخرةِ ، وهي دُخُولِ الجنَّةِ ، أي : حَسَنَةٌ لا
يُحاطُ بكُنْهِهَا ، وقيلَ : يَتَعَلَّقُ ب ( حَسَنَة ) أي : لَهُم على ذلكَ حَسَنَةٌ في هذه الدُّنيا
وهي الثَّناءُ الحَسَنُ والمَدْحُ والصِّحةُ والعافيةُ والرِّزْقُ الواسِع ( 5 ) ( وَأَرْضُ الله
وَسِعَةٌ ) معنَاهُ : لا عُذْرَ للمُفَرِّطينَ في الإِحسَانِ حتَّى إنِ اعتَلُّوا بأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ
منه في أَوْطانِهِم قيلَ لَهُم : فَأَرْضُ اللهِ واسعةٌ ، وبِلاَدُهُ كثيرةٌ ، فَتَحَوَّلُوا إلى بلاد أُخَرَ ،
هامش
( 1 ) قرأه ابن كثير ونافع وحمزة . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 561 .
( 2 ) حكاه الزجّاج في معانيه : ج 4 ص 347 .
( 3 ) أخرجه مسلم في صحيحه : ج 1 ص 520 ح 756 .
( 4 ) رواه في الكافي : ج 8 ص 735 ضمن ح 6 باسناده عن أبي بصير .
( 5 ) قاله السدي ومقاتل . راجع تفسير الطبري : ج 10 ص 622 .