( مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَة ) أرادُوا لَبْثَهُم في الدُّنيا ، أو في القُبورِ ، أو في ما بين فَناءِ
الدُنيا إلَى البعثِ ، وإنَّما قَدَّرُوا وَقْتَ لَبْثِهِم سَاعةً على وجهِ الاستقصارِ له ، أو يَنسُونَ
ويُخمِّنُونَ ( كَذَا لِكَ ) أي : مثلُ ذلكَ الإِفْك - وهو الصَّرْفُ - كانوا يُصرَفُونَ عن
الصِّدقِ والتَحقِيقِ في الدُّنيا ، وهكذا كانُوا يبنُونَ أَمْرَهُم على خِلافِ الحَقِّ .
القائِلُونَ هم الملائكةُ أو الأنبياءُ أو المؤمنونَ ( فِي كِتَبِ اللهِ ) في عِلْمِ اللهِ
المُثْبَتُ في اللَّوحِ المحفُوظِ ، أو : في عِلْمِ اللهِ وقضائِهِ الذي أَوجَبَهُ بحكْمتِهِ رَدُّوا ما
قَالُوه وحَلَفُوا عليهِ ، ثَمَّ قرَّعُوهُم على إنكارِ البعثِ بقولِهِم : ( فَهَذَا يَوْمُ البَعْثِ
وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) إنَّه حقٌّ ، فَلاَ يَنفَعُكُم العِلْمُ بِهِ الآن .
( فَيَومَئِذ ) لا يُمَكَّنُونَ من الاعتذارِ ، ولو اعتَذَرُوا لم تُقْبَلْ مَعذِرتُهُم ، ولا
يُطْلَبُ منهم الإِعتَابُ ، يُقالُ : استَعْتَبَنِي فُلانٌ فَأَعْتَبتُهُ ، أي : استَرضَاني فأَرضيتُهُ ،
وحَقيقةُ " أَعْتَبتُهُ " : أَزَلْتُ عَتْبَهُ ، والمعنى : لا يُقالُ لَهُم ارضُوا ربَّكُم بتَوبة وطَاعة .
( وَلَقَدْ ) وَصَفْنا لَهُم ( كُلّ ) صفَة كأنَّها ( مَثَل ) في غَرابَتِهَا ، وقَصَصْنَا عليهِم
كُلَّ قصّة عَجيبة كقصَّةِ المبعُوثينَ يومَ القيامةِ وما يقُولُونَهُ وما يُقالُ لَهُم ، ولكنَّهم
لِقَسوةِ قلُوبِهِم وعَنَادِهِم إذا جَئْتَهُم بآية من آياتِ القُرآنِ قَالُوا : جئْتَنَا بزُور وبَاطِل .
( كَذَا لِكَ ) أي : مثلُ ذلكَ الطبعِ ( يَطْبَعُ اللهُ عَلَى قُلُوبِ ) الجَهَلةِ فَيَمنَعُهُم أَلْطافَهُ
الشَّافية ( 1 ) للصّدورِ حتَّى سَمُّوا المحقِّينَ مُبطلينَ .
( فَاصْبِرْ ) على عَدَاوتِهِم ( إنَّ وَعْدَ اللهِ ) بنَصْرِكَ وإظهارِ دينِكَ على كلِّ
الأديانِ ( حَقٌّ ) ولا يَحْمِلنَّكَ علَى الخفَّةِ والجَزَعِ من كُفْرِهِم وعنَادِهِم فإنّهم قَومٌ
ظَانُّونَ ( لا يُوقِنُونَ ) بأنَّهُم يُبْعَثُون .
* * *
هامش
( 1 ) في نسخة : " الشارحة " .