وملْقى ظلِّهِ ( فَإذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) أي : داخِلُونَ في ظَلامِ اللَّيل لا ضيَاءَ لَهُم فيهِ .
( وَالشَّمسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ) أي : لِحَدٍّ لَهَا مُوَقَّت مُقَدَّر تَنتهي إليهِ من فَلَكِها
في آخِر السَّنةِ ، شُبِّه بمُستَقَرِّ المسافر إِذا قَطَعَ مسيرَهُ ، أو : منْتَهىً لَهَا من المشَارقِ
والمغَاربِ حتّى تَبلغَ أَقصَاهَا فذلكَ مستَقَرُّها لأنَّها لا تَعدُوه ، أو : لحدٍّ لَهَا من
مسيرِها كُلَّ يوم في مرائي عيُونِنا وهو المغربُ ، وقَرأَ ابنُ مسعود : " لا مُستَقَرَّ
لَهَا " ( 1 ) وهو قِرَاءةُ أهلِ البيتِ ( عليهم السلام ) ( 2 ) ومعنَاهُ : أنَّها لا تَزالُ تَجري لا تَستَقِرُّ ذلكَ
الجَرْيِ على ذلكَ التَّقديرِ والحسَابِ الدَّقيقِ الذي يَكلُّ الفَطِنُ عن استخراجِهِ ،
تَقديرُ الغَالِبِ بقُدرتِهِ على كلِّ مقدُور ، الْمُحِيطُ عِلْماً بكلّ معلُوم .
وقُرِئ : ( والْقَمَرَ ) بالرَّفع ( 3 ) على الابتداءِ أو عَطْفاً على ( الَّليْل ) أيْ : وَمِنْ
آيَاتِهِ القَمَرُ ، وبالنَّصْبِ بفعل مضْمَر يفسِّرُهُ ( قَدَّرْنَه ) . والمَعنى : قَدَّرْنَا مَسيرَهُ
( مَنَازِلَ ) وهيَ ثَمانيةٌ وعشْرونَ مَنْزلاً ، يَنزلُ كلَّ ليلة في واحد منْها لا يتخطَّؤُهُ ولا
يَتَقَاصَرُ عَنْهُ ، على تَقْدير مستَو ( حتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) وهو عُودُ الْعِذْقِ
الذي تَقَادَمَ عَهْدُهُ حتَّى يَبِسَ وتَقَوَّسَ ، وقيلَ : إنَّه يَصيرُ كذلكَ في كلِّ ستَّةِ أَشهر ( 4 ) ،
قَالَ الزجَّاجُ : هو فُعْلُون من الانعراجِ وهو الانعِطَاف ( 5 ) والقَديمُ يَدُقُّ ويَنْحَني
ويَصْفَرُّ ، فَشَبَّهَ القَمَرَ بهِ من ثَلاثةِ أَوْجُه .
( لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَآ أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ) في سُرْعَةِ سَيْرهِ فإنَّها تَقْطَعُ مَنَازلَها
هامش
( 1 ) حكاه عنه ابن خالويه في شواذ القرآن : ص 127 .
( 2 ) ذكرها ابن خالويه في الشواذ ونسبها إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وفي البحر المحيط لأبي حيان : ج 7
ص 336 : عن الإمام زين العابدين وولده الباقر والصادق ( عليهم السلام ) .
( 3 ) قرأه ابن كثير ونافع وأبو عمرو . راجع كتاب السبعة في القراءات : ص 540 .
( 4 ) كما روي عن الإمام علي ( عليه السلام ) كما في إرشاد المفيد : ص 118 ، وعن الرضا ( عليه السلام ) كما في
تفسير القمي : ج 2 ص 215 .
( 5 ) معاني القرآن : ج 4 ص 288 .