غَفَرَهُ ربِّي لي من الذُّنوبِ ، ويجوزُ أن تكونَ استفهاميَّةً أي : بأيِّ شيء غَفَرَ لي ؟
يُريدُ ما كانَ منْهُ مَعَهُم من المصابرةِ على الجهادِ في إعْزازِ دينِ اللهِ حتَّى قُتِلَ ،
إلاَّ أنَّهُ على هذا الوجه " بِمَ غَفَرَ لي " بِطَرْحِ الألفِ أَجودُ وإنْ كانَ إثباتُها جَائِزاً .
( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ ) بَعْدِ قَتْلِه ( مِن جُند ) أي : لَمْ تُنَزِّلْ لإِهْلاكِهِم جُنْداً
مِن جنُودِ السَّماءِ كَما فَعَلْنا يَوم بَدر ( وَمَا كُنَّا ) مُنزِّلِيهِمْ علَى الأُمَمِ إذْ أَهلَكْنَاهم .
( إن كَانَتْ إِلاّ صَيْحَةً وَحِدَةً ) أي : لَمْ تَكُنْ مَهلَكتُهُم عن آخرِهِم إلاَّ بأَيسرِ أَمر
( صَيْحَةً وَحِدَةً ) أَخَذَ جبرائيلُ بِعُضَادَتيْ بابِ المَدينةِ وَصَاحَ بِهِم صَيْحةً فَمَاتُوا
مِن آخرِهِم ، لا يُسْمَعُ لَهُم حِسٌّ ، كالنَّارِ إذا طُفِئَتْ . وكأنَّهُ قَالَ عزَّ اسمُهُ : إنَّ إنْزالَ
الجُنُودِ منَ السَّماءِ من عَزَائِمِ الأُمورِ التي لا يُؤَهَّلُ لها إلاَّ مِثْلكَ يا مُحَمد ، حَيث
أُنْزِلُوا يَومَ بَدر والخَنْدَقِ وما كُنَّا نَفْعلُهُ بغَيْرِكَ . وقُرئَ : " إلاَّ صَيْحَةٌ " بالرَّفع ( 1 )
على " كَانَ " التَّامَّةُ ، أي : ما وَقَعَتْ إلاَّ صَيْحَةٌ ، والقياسُ التَذكيرُ ؛ لأنَّ المعنى : مَا وَقَعَ
شَيءٌ إلاَّ صَيْحَةٌ ، وَلكِن جُوِّزَ ذلكَ لأَنَّ " الصَيْحةَ " في حُكْمِ فَاعِلِ الفِعْلِ ، ومثلُهُ بيتُ
ذي الرُّمَّةِ :
وَما بَقِيَتْ إلاَّ الضُّلُوعُ الجَراشِعُ ( 2 )
والقِراءَةُ بالنَّصْبِ على معنى : إنْ كانَتِ الأَخِذَةُ أَو العقُوبةُ إلاَّ صَيْحَةً .
( يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ) نُودِيَتِ الحَسْرةُ كأنَّها قيلَ لَهَا : تَعَالِ يا حَسْرَةً فهذا
من أوقاتِكِ التي حقَّكِ أَن تَحْضَرِي فيهَا ، وهي حَالُ استهزَائِهِم بالرُّسُلِ ، والمعنى :
أنَّهُمْ أَحِقَّاءُ بأَن يَتَحَسَّرَ عليهِم المُتَحَسِّرونَ ، أَو : هُم مُتَحَسَّرٌ عَلَيهِم من جهةِ المَلائكةِ
هامش
( 1 ) وهي قراءة أبي جعفر كما في شواذ القرآن لابن خالويه : ص 125 .
( 2 ) وصدره : طَوَى النحز والأجراز ما في غروضها . والبيت من قصيدة طويلة يصف ناقةً له .
راجع ديوان ذي الرمّة : ص 447 .