وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ( 28 ) إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَا حِدَةً فَإِذَا هُمْ خَمِدُونَ ( 29 )
يَحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُول إِلاَّ كَانُواْ بِهِ ى يَسْتَهْزِءُونَ ( 30 ) )
أبْرَزَ الكلامَ في مَعْرضِ المناصَحَةِ لنفسِهِ وهو يُريدُ مُناصَحَتَهُم تَلَطُّفاً لَهُم ،
فَكَأنَّهُ قَالَ : وَمَا لَكُمْ لا تَعْبُدُونَ الَّذي فَطَرَكُمْ ؟ أَلاَ تَرى إلى قَولِهِ : ( وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
ولَمْ يَقُلْ : وَإليه أُرْجَعُ ، ثمَّ ساقَ كلامَهُ ذلكَ المساق إلى أَن قَالَ : ( إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ
فَاسْمَعُونِ ) يريدُ : فاسمَعُوا قَولي وأطيعوني فَقَد نَبَّهتُكُم علَى الحقِّ الصَّريحِ والدِّينِ
الصَّحيحِ الَّذي لا مَحيصَ عنه ، وهو أنَّ العبادةَ لا تَصُحُّ إلاَّ لِمَنْ أَنْشَأَ خَلْقَكُم ( 1 )
وأَوْجَدَكم وَإلَيْهِ مَرجِعُكُم ، وَمِنْ أَنْكَرِ الأَشياءِ في العَقْلِ أن تُؤْثِرُوا على عبادتِهِ
عبَادةَ أشياء ، إنْ أَرادَكُمْ هُو ( بِضُرٍّ ) وشَفَعَ لَكُم هؤلاء لَمْ يَنفَعْكُم شَفَاعَتُهُم ولَمْ
يَقْدروا على إنْقاذِكم ، إنَّكُم في هذا الاختيارِ لواقعُونَ ( فِي ضَلاَل ) ظَاهر بَيِّن لا
يَخْفى على ذي حجى .
ثمَّ إنّ قومَهُ لمَّا سَمعُوا منهُ ذلكَ القَولَ وَطؤوهُ بأَرجُلِهم حتَّى ماتَ ، فَأَدخَلَهُ اللهُ
الجنَّةَ وهو حَيٌّ فيها يُرزَقُ ، وذلكَ قَولُهُ : ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ) ، وقيلَ : إنَّهُم قَتَلُوه
على أنَّ الله سبحانَه أَحْيَاهُ وأَدخَلَهُ الجنَّةَ ، فَلَمَّا دَخَلَهَا ( قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّى ) ( 2 ) تمنَّى أَن يعلَمَ قَومُهُ ما أعطاهُ اللهُ تَعالى من المغفرةِ وجَزيلِ
الثَّوابِ ليرغَبُوا في مثلِهِ ، ويُؤمنُوا لينالُوا ذلكَ . ووردَ في حَديث مرفُوع : " أنَّهُ نَصَحَ
قَومَهُ حَيَّاً وَميّتاً " ( 3 ) .
و " ما " في ( بِمَا غَفَرَ لِي ) مصدريَّةٌ أو موصولةٌ ، أي : بمغفرةِ ربِّي لي ، أو : بالَّذي
هامش
( 1 ) في بعض النسخ : " أنشأكم " .
( 2 ) قاله ابن مسعود ومجاهد . راجع تفسير ابن كثير : ج 3 ص 547 .
( 3 ) أورده الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 11 .