خطَابِ الجَماعة ، وقولُهُ : ( وَاتَّقُّوهُ وَأقِيمُواْ الصَّلَواةَ وَلا تَكُونُواْ ) مَعطُوفٌ على هذا
المُضْمَرِ ، والفِطْرةُ : الخلْقةُ ، أَلاَ تَرى إلى قَولِهِ : ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) والمعنى :
أنَّهُ خَلَقَهُم قَابلينَ للتَوحيدِ ودينِ الإِسلامِ ، غَير نائينَ عنه ، ولا منكِرينَ لَهُ ، حتَّى لو
تُركُوا لَمَا اختاروا عليهِ ديناً آخر ، وَمَن غَوَى منهم فبإغواءِ شَياطينَ الجنِّ والإِنسِ .
ومنه الحَديثُ : " خَلَقْتُ عبادي حُنفاءَ ، فاحتالَتْهُم الشَياطينُ عن دينِهِم ،
وأَمروهُم أن يشركُوا بي غَيري " ( 1 ) .
وقولُهُ ( عليه السلام ) : " كلُّ مولُود يُولَدُ علَى الفِطرةِ ، حتّى يكون أَبَوَاهُ هُما اللَّذانِ يهوِّدانَهُ
وينصِّرانَهُ " ( 2 ) .
( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ) أي : لا يَنبغي أَن تُبدَّلَ تلكَ الفِطْرةُ وتُغَيَّرَ . وخُوطِبَ
الرَّسولُ ( صلى الله عليه وآله ) أوَّلا فَوَحَّدَ ، ثمَّ جمع ثانياً لأنَّ خطابَهُ ( عليه السلام ) خطَابٌ لأُمَّتِهِ .
( مِنَ الَّذِينَ ) بَدَلٌ من ( المُشْرِكِينَ ) ، " فَارَقُوا دِينَهُمْ " ( 3 ) أي : دينَ الإِسلامِ
وقُرئ : ( فَرَّقُواْ ) أي : جَعَلُوه أَدياناً مختلفةً لاختلافِ أهوائِهِم ( وَكَانُوا شِيَعاً )
أي : فِرَقاً ، كلُّ واحدة تُشايعُ إمامَها الَّذي أَضَلَّها ( كُلُّ حِزْب ) منهُم فَرِحٌ بمذهبِهِ
مَسرورٌ ، يحسبُ باطِلَهُ حقّاً . ويجوزُ أَن يكونَ ( مِنَ الَّذِينَ ) منقطعاً عمَّا قَبلَهُ ،
والمعنى : من المفَارقينَ دينَهُم ، كلُّ حزْب فرحينَ بما لَدَيهِم ، لكنَّه رَفَعَ ( فَرِحُونَ )
علَى الوصفِ ل ( كُلُّ ) .
( وَإذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ ) أي : مَرَضٌ أو قَحْطٌ أو شِدَّةٌ انقطعُوا ( إلَى الله )
وأنابُوا إليهِ ( ثُمَّ إذَآ أذَاقَهُمْ . . . رَحْمَةً ) بأَن يخلِّصَهُم ممَّا أَصَابَهُم قَابلُوا النِعْمَةَ
بالكُفْران . واللامُ في ( لِيَكْفُرُواْ ) مجازٌ ، مثْلُهَا في ( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) ( 4 ) ،
هامش
( 1 ) تلبيس إبليس لابن الجوزي : ص 24 .
( 2 ) المعجم الكبير للطبراني : ج 1 ص 260 .
( 3 ) الظاهر أنّ المصنّف اعتمد هنا على القراءة بالألف وتخفيف الراء تبعاً للكشّاف .
( 4 ) القصص : 8 .