وتُسمُّونَ الماهِرَ في صناعَتِهِ مُعاودَاً ، بمعنى : أنَّه عَاوَدَهَا كرَّةً بعد أُخرى حتَّى مرَنَ
عليها ، وذَكَّرَ الضَميرَ لأنَّ المُرادَ : وأَن يُعيدَهُ أَهونُ عليه ، وقيلَ : الأَهونُ بمعنَى
الهيِّن ( 1 ) ، كقولِ الشَاعرِ :
لَعَمْركَ ما أَدْري وإنِّي لاَوجلُ ( 2 )
أي : لَوَجِلٌ ( وَلَهُ المَثَلُ الأعْلَى ) أي : الوَصْفُ الأَعلَى الَّذي ليسَ لغيرِهِ مثلُهُ ،
قَد وُصِفَ به ( في الْسَّمواتِ والاَرْضِ ) وهو أنَّه القَادرُ الذي لا يَعجزُ عن شَيء
من إنشاء وإعَادة ( وَهُوَ الْعَزِيزُ ) القَاهِرُ ( الْحَكِيمُ ) المُحكِمُ لأفعالِهِ . وعن قَتادةَ :
المثلُ الأعلى قولُ : " لا إله إلاَّ الله " وهو الوَصْفُ بالوحدانيَّةِ ( 3 ) .
( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلا مِّنْ أنْفُسِكُمْ ) أي : أَخَذَ لكُم مَثَلا وانتَزَعَهُ من أَقْربِ شيء
منكُم وهو أنفسكم ، فَ " مِنْ " هنا لابتداءِ الغَايةِ ( هَلْ لَّكُمْ مِّمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ
شُرَكَآءَ ) أي : هَل تَرضون لأنفسِكُم وعَبيدُكُم أمثالُكُم بَشَرٌ كبشر وعَبيدٌ كعبيد أَن
يُشاركُوكُم فيما ( رَزَقْنَكُمْ ) من الأَموالِ تكونُونَ أنتُم وهُم فيه علَى السَّواءِ من
غيرِ تَفرقَة بينكُم وبينهُم ، تَهابُونَ أن تَستبدُّوا بالتَصرُّفِ دونَهم كَمَا يَهابُ بَعْضُكُمْ
بَعْضاً من الأحرارِ ، فإذا لَمْ تَرضوا بذلكَ لأنفُسِكُم فكيفَ تَرضونَ لربِّ الأربابِ
ومَالكِ الرِّقابِ من العَبيدِ والأحرارِ أَن تَجعلُوا بَعضَ عبيدِهِ لَه شُركَاء ( كَذا لِكَ )
يعني : مثلُ هذا التَفصيلِ ( نُفَصِّلُ الآيَتِ ) أي : نبيِّنُها ، لأنَّ التمثيلَ ممَّا يُوضّح
المَعَاني الخَفيَّة ، ويكونُ كالتَشْكيلِ والتَصوير لَهَا . ( بَلْ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ) أي :
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس . راجع التبيان : ج 8 ص 245 .
( 2 ) وعجزه : على أيِّنا تَغدُو المنيّةُ أوّل . والبيت منسوب لمعن بن أوس . وهو واضح المعنى .
راجع الحماسة البصرية : ج 2 ص 6 .
( 3 ) حكاه عنه الطبري في تفسيره : ج 10 ص 181 .