وهو الصِّياحُ باستِغَاثَة وَجُهْد وشِدَّة . والفائِدةُ في قَولِهِم : ( غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ )
مِنْ غَيْرِ اكتِفَاء بقَولِهِم : ( صَلِحاً ) أنَّهُ للتَّحَسُّرِ على ما عَمِلُوا من غيرِ الصَّالحِ مَعَ
الاعتِرَافِ بِهِ ، ولأنَّهُم كانُوا يَحْسَبونَ أنَّهُم على سيرة صَالحَة فقَالُوا : ( أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ
صَلِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا ) نَحْسَبُهُ صَالِحَاً فَنَعْمَلُهُ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ) توبيخٌ من اللهِ ،
فَيقُولُ لَهُم وهو متَنَاوِلٌ لكلِّ عُمُر تَمَكَّنَ فيهِ المُكَلَّفُ من إصْلاحِ شَأْنِه وإنْ قَصُرَ ، وإنْ
كَانَ التَّوبيخُ في المُتَطَاولِ أَعْظَمَ ، وقَد قيلَ : إنَّهُ ستُّونَ سنةً ( 1 ) ، وقيلَ : أربعون ( 2 ) ،
وقيلَ : ثَمانِي عَشْرةَ سنة ( 3 ) ( وَجَآءَكُمُ الْنَّذِيرُ ) عَطْفٌ على مَعْنى ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ )
كأنَّهُ قيلَ : قَد عَمَّرْنَاكُم وجَاءَكم النَّذيرُ وهو النَبيُّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو القُرآنُ ، وقيلَ : النَّذيرُ :
الشَّيْبُ ( 4 ) ، وقيلَ : مَوتُ الأَهْلِ والأَقَاربِ ( 5 ) ( فَذُوقُوا ) العَذَابَ .
( إنَّهُ علِيمٌ بِذَاتِ الْصُّدُورِ ) كالتَّعْليل ، لأنَّهُ إذا عَلِمَ ما في الصُّدُورِ وهو أَخْفى
ما يكُونُ فَقَد عَلِمَ كُلَّ غَيْب في العَالَمْ ، وذاتُ الصُّدُورِ : مُضْمَرَاتُهَا وهي تَأْنيثُ
" ذو " ، وذُو موضُوع بمعنَى الصُّحْبَةِ ، فالمُضْمَرَاتُ تَصحَبُ الصُّدُورَ .
والْخَلاَئِفُ : جَمْعُ خَليفَة وهو المُسْتَخْلَفُ ( فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) أَي : ضَرَرُ كُفْرِهِ
وعِقَابُ كُفْرِهِ ، والْمَقْتُ : أَشَدُّ البُغْضِ ، وقيلَ لِمَنْ نَكَحَ امرأةَ أبيهِ : مَقْتِي لكَونِهِ ممقُوتاً
في كلِّ قَلْب .
( أَرُونِي ) بَدَلٌ من ( أَرَأَيْتُمْ ) لأنَّ معنى " أرأيتم " : أَخْبِرُوني ، فَكأنَّهُ قَالَ :
أَخْبِروني عن هؤلاءِ الشُّرَكاءِ وعمَّا استَحَقُّوا به العبادةَ ، أَروني أَيَّ جُزء ( مِن )
هامش
( 1 ) وهو قول عليٍّ ( عليه السلام ) . راجع التبيان : ج 8 ص 434 .
( 2 ) قاله ابن عباس ومسروق . راجع المصدر السابق .
( 3 ) قاله قتادة وعطاء والكلبي . راجع تفسير البغوي : ج 3 ص 573 .
( 4 ) حكاه الفراء والطبري كما في تفسير الماوردي : ج 4 ص 476 .
( 5 ) ذكره الماوردي في تفسيره .