( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَبَ ) المعنى : إنَّا أَوْحَيْنا إليكَ القُرآنُ مُصَدِّقاً لِمَا قَبلَهُ من
الكُتُبِ مُوافِقاً لِمَا بَشَّرتْ به تلكَ الكُتُبُ من حَالِهِ وحَالِ مَنْ أَتى بِهِ ، ثمَّ أَورَثْنَاهُ
الَّذين اصطَفَيْنَا من عبادِنَا بَعدكَ وهُم عُلَمَاءُ الأُمَّةِ ، لِمَا وَرَدَ في الحَديثِ : " أَنَّ
العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبياءِ " ( 1 ) ، والمَرويُّ عن البَّاقرِ والصَّادقِ ( عليهما السلام ) أَنَّهُما قَالاَ : " هِيَ لَنَا
خَاصَّةً ، وإيَّانَا عَنَى " ( 2 ) . وهذا هو الصَحيحُ ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالاصطِفَاءِ ألْيَقُ بِهِم ،
إذْ هُم وَرَثَةُ الأَنْبياءِ ، وَقُدْوَةُ العُلَمَاءِ ، المُستَحْفِظُونَ للكتابِ ، العَارِفُونَ بحَقَائِقِهِ .
( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) وعن ابنِ عباس والحَسَنِ : أن الضَّميرَ للعِبَادِ ( 3 ) ، واختارَهُ
المرتَضَى قُدِّس روحُهُ قَالَ : عَلَّلَ تَعْليقَهُ سبحانَهُ ورَاثَةِ الكتابِ بالمُصْطَفينَ من
عِبَادِهِ بأنَّ فيهِم مَنْ هو ظَالِمٌ لِنفْسِهِ ومَن هو ( مُقْتَصِدٌ ) ومَنْ هُوَ ( سَابِقٌ
بِالْخَيْرتِ ) ( 4 ) . وقيلَ : إنَّ الضَّميرَ للَّذينَ اصطَفَاهُم الله ( 5 ) .
ورُويَ عن الصَّادقِ ( عليه السلام ) أنَّه قَالَ : " الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ منَّا : مَنْ لا يَعْرِفُ حَقَّ الإِمامِ ،
والمقْتَصِدُ منَّا : العَارِفُ بحقِّ الإِمامِ ، والسَّابقُ بِالخَيْراتِ : هو الإِمام " ( 6 ) .
وكُلُّهُم مَغْفُورٌ لَهُم ، وذلكَ لاصطِفَاءِ وإيْراثِ الكِتَابِ ، أو : ذلكَ السَّبْقُ بالخَيْراتِ
هو ( الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) .
( جَنَّتُ عَدْن ) بَدَلٌ من ( الفَضْلِ الْكَبِير ) الَّذي هو السَّبْقُ بالخَيْراتِ ، لأنَّهُ لمَّا
كانَ السَبَبُ في نَيل الثَّوابِ نَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ المُسَبِّبِ ، كأنَّهُ هو الثَّوابُ ، فأُبْدِلَتْ عَنْهُ
هامش
( 1 ) رواه الترمذي في سننه : ج 5 ص 49 ذ ح 2682 ، والدارمي أيضاً في سننه : ج 1 ص 98
كلاهما عن أبي الدرداء .
( 2 ) المناقب لابن شهرآشوب : ج 4 ص 130 .
( 3 ) تفسير الحسن البصري : ج 2 ص 223 ، تفسير القرطبي : ج 14 ص 346 .
( 4 ) رسائل الشريف المرتضى ( المجموعة الثالثة ) : ص 102 .
( 5 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 4 ص 473 .
( 6 ) رواه الصدوق في معاني الأخبار : 104 .