وَمَا يُبدِئ الباطِلُ ومَا يُعِيد " ( 1 ) .
( قُلْ إنْ ضَلَلْتُ ) عنِ الحقِّ كَمَا زَعَمْتُم ( فَإنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي ) أي : فإنَّمَا
يَرجعُ وَبَالُ الضَّلالِ عَلَيَّ لأنَّ المأْخُوذَ بِهِ دونَ غَيْري ( وَإِنِ اهْتَدَيْتُ ) إلى الحقِّ
فَبِفَضْلِ ( رَبِّى ) حيثُ أَوحَى ( إِلَىَّ ) فَلَهُ المِنَّةُ بذلكَ عَلَيَّ .
( وَلَوْ تَرَى ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ والتَّقديرُ : لَرَأَيْتَ أَمْراً عَظِيمَاً . و ( لَوْ ) و ( إذْ )
والأَفعالُ الَّتي هي ( فَزِعُواْ . . . وأُخِذُواْ . . . وحِيلَ بَيْنَهُم ) كلُّها للمُضِيِّ ، والمُرادُ بها
الاستقبالُ ؛ لأنَّ ما اللهُ فَاعِلُهُ في المُستَقْبِلِ بمنزلةِ ما قَد كانَ ووُجِد لِتَحَقُّقِهِ ، وَوَقْتُ
الفَزَع : وَقْتُ البَعْثِ ( فَلاَ فَوْتَ ) لا يَفُوتُ منْهُم أَحَدٌ ، والْمَكَانُ القَريبُ يَعني بِهِ القَبْرَ ،
وقيلَ : هو فَزَعُهُمْ عِنْدَ المَوْتِ ومُعايَنَةِ ملائَكَةِ العَذَابِ لِقَبْضِ الأَرواح ( 2 ) ، وقيلَ :
يَوم بَدْر حين ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُم فَلَمْ يَستَطيعُوا فرارَاً ( 3 ) ، وقيلَ : هُو جيشٌ يُخْسَفُ
بِهِمْ بالبَيْدَاءِ ، يُؤْخَذُونَ من تَحتِ أَقْدامِهِم ( 4 ) ، ( وأُخِذُواْ ) عَطْفٌ على ( فَزِعُواْ )
أي : فَزِعُوا وأُخِذُوا فَلاَ فَوْتَ لَهُم ، أو : على ( لاَ فَوْتَ ) أي : إذْ فَزِعُوا فَلَمْ يفُوتُوا
وأُخِذُوا . ( وَقَالُواْ ) أي : ويقُولُونَ في ذلكَ الوَقْتِ : ( ءَامَنَّا بِهِ ) أي : بمحمَّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؛
لأنَّ ذِكْرَهُ مَرَّ في قَولِهِ : ( مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة ) ، ( وَأَنَّى لَهُمُ الْتَّنَاوُشُ ) وهو
التَنَاولُ السَّهْلُ لشيء قَريب ، وهذا تَمثيلٌ لِطَلَبِهِم ما لا يكُونُ ، وهو أَنْ يَنْفَعَهُم
إيْمانُهُم في ذلكَ الوقْتِ كَمَا نَفَعَ المؤمِنينَ إيمانُهُم في الدُّنيا ، مُثِّلتْ حالُهُمْ بحَالِ من
يُريدُ تَناولَ الشَّيءِ من مَكَان بَعيد مِثْلَ ما يَتَنَاولُهُ الآخرُ من مَوضِع قَريب تَناولاً
هامش
( 1 ) رواه عنه مسلم في صحيحه : ج 3 ص 1408 ح 1781 .
( 2 ) قاله قتادة . راجع تفسير الطبري : ج 10 ص 388 .
( 3 ) قاله السدي . راجع تفسير الماوردي : ج 4 ص 458 .
( 4 ) وهو قول سعيد بن جبير . راجع المصدر السابق .