سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْء
شَهِيدٌ ( 47 ) قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّمُ الْغُيُوبِ ( 48 ) )
( هذَا ) الأوَّلُ إشَارةٌ إلى رسُولِ اللهِ ، والثَّانيةُ إلَى القُرآنِ ، والثَّالثةُ إلَى الحَقِّ ،
والحقُّ أَمرُ النُّبوَّةِ كلُّهُ ودينُ الإِسلامِ كَمَا هُو ، وفي قَولِهِ : ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) ولَمْ
يَقُلْ " قَالُوا " ، وفي قَولِهِ : ( لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ) وما في اللاَّمَيْنِ من الإِشارة إلى
القَائلينَ والمَقُولِ فيهِ وما في " لَمَّا " من المبَادَهةِ بالكُفْر ، دَليلٌ على أنَّ الكَلامَ صَدَرَ
عن إنْكار عَظِيم وَغَضَب شَديد ، كأنَّهُ قَالَ : وقَالَ أُولئِكَ الكَفَرَةُ اَلمُتَمرِّدونَ بِجُرْأَتِهِم
علَى اللهِ ومُكَابَرتِهِم لِمثْلِ ذلكَ الحَقِّ الواضِحِ قَبلَ أَن يَخْتَبروهُ ويَتَدَبَّروهُ : ( إنْ هذَا
إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) فَقَضَوْا بأنَّهُ سِحْرٌ ظَاهِرٌ .
( وَمَا ءَاتَيْنَهُمْ ) كُتُباً يَدْرسُونَها فيهَا بُرهَانٌ على صحَّةِ الشِّرْكِ ، ولاَ ( أَرْسَلْنَآ
إلَيْهِمْ ) نَذِيرَاً يُنْذِرُهُم بالعقَابِ إنْ لَمْ يشْركُوا كَمَا قَالَ : ( أمْ أنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَناً فَهُوَ
يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ) ( 1 ) أَو أرادَ : لَيسَ لَهُم عَهْدٌ بإنْزالِ الكتَابِ ولا بَعْثِ
رَسُول ، فَهُمْ أُمِّيُّون أَهلُ جَاهِليَّة لاَ ملَّةَ لَهُم ، كما قَالَ : ( أَم ءَاتَيْنَهُمْ كِتباً مِّنْ قَبْلِهِ
فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ) ( 2 ) ثمَّ تَوعَّدَهُم على تَكْذِيبهِمِ فَقَالَ : ( وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ ) كَمَا كَذَّبُوا ، وما بَلَغَ هؤلاء ( مِعْشَارَ ) مَا آتَينا أُولئِكَ من طُولِ الأَعْمارِ
وكثْرةِ الأَمْوالِ وعِظَمِ الأَجْسَامِ ، فَحِينَ كَذَّبُوا ( رُسُلِي ) جَاءَهُم نَكيري ، أَي :
عقُوبَتي وتَغْييري لأَحْوالِهِم بالتَّدْمير والاستِئْصَالِ ، ولَمْ يُغْنِ عنهم ما استَظْهَروا بهِ
من القوَّةِ والثَّروةِ ، فَمَا بالَ هؤلاءِ لا يحَذَرونَ أن يَنزلَ بِهِم مثلُ ما نَزَلَ بأُولئِكَ من
النَّقْمَةِ ؟
( قلْ إنَّمَا أَعِظُكُمْ ) بِخَصْلة ( وَاحِدَة ) ، وفَسَّرَهَا بقولِهِ : ( أَنْ تَقُومُوا للهِِ مَثْنَى )
هامش
( 1 ) الروم : 35 .
( 2 ) الزخرف : 21 .