تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
* ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) * . يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون : افترى محمد هذا القرآن من نفسه ، فاختلقه وافتعله . قل يا محمد لهم : إن كان كما تقولون إني اختلقته وافتريته ، فإنكم مثلي من العرب ، ولساني وكلامي مثل لسانكم ، فجيئوا بسورة مثل هذا القرآن . والهاء في قوله مثله كناية عن القرآن . وقد كان بعض نحويي البصرة يقول : معنى ذلك : قل فأتوا بسورة مثل سورته ، ثم ألقيت سورة وأضيف المثل إلى ما كان مضافا إليه السورة ، كما قيل : واسأل القرية يراد به : واسأل أهل القرية . وكان بعضهم ينكر ذلك من قوله ويزعم أن معناه : فأتوا بقرآن مثل هذا القرآن . والصواب من القول في ذلك عندي أن السورة إنما هي سورة من القرآن ، وهي قرآن ، وإن لم تكن جميع القرآن ، فقيل لهم : فأتوا بسورة من مثله ولم يقل : مثلها ، لان الكناية أخرجت على المعنى ، أعني معنى السورة ، لا على لفظها ، لأنها لو أخرجت على لفظها لقيل : فأتوا بسورة مثلها . وادعوا من استطعتم من دون الله يقول : وادعوا أيها المشركون على أن يأتوا بسورة مثلها من قدر تم أن تدعوا على ذلك من أوليائكم وشركائكم من دون الله يقول : من عند غير الله ، فأجمعوا على ذلك واجتهدوا ، فإنكم لا تستطيعون أن تأتوا بسورة مثله أبدا . وقوله : إن كنتم صادقين يقول : إن كنتم صادقين في أن محمدا افتراه ، فأتوا بسورة مثله من جميع من يعينكم على الاتيان بها ، فإن لم تفعلوا ذلك فلا شك أنكم كذبة في زعمكم أن محمدا افتراه لان محمدا لن يعدو أن يكون بشرا مثلكم ، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله ، فالواحد منهم عن أن يأتي بجميعه أعجز . القول في تأويل قوله تعالى : * ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) * . يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين يا محمد تكذيبك ، ولكن بهم التكذيب بما
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 154 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار