يعني بالحميم : الماء المسخن . وقوله : عذاب أليم يقول : ولهم مع ذلك عذاب
موجع سوى الشراب من الحميم بما كانوا يكفرون بالله ورسوله . القول في تأويل قوله
تعالى :
* ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين
والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) * .
يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض هو الذي جعل
الشمس ضياء بالنهار والقمر نورا بالليل ، ومعنى ذلك : هو الذي أضاء الشمس وأنار
القمر ، وقدره منازل يقول : قضاه فسواه منازل لا يجاوزها ، ولا يقصر دونها على حال
واحدة أبدا . وقال : وقدره منازل فوحده ، وقد ذكر الشمس والقمر ، فإن في ذلك
وجهين : أحدهما أن تكون الهاء في قوله : وقدره للقمر خاصة ، لان بالأهلة يعرف
انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس . والآخر : أن يكون اكتفي بذكر أحدهما عن الآخر ،
كما قال في موضع آخر : والله ورسوله أحق أن يرضوه وكما قال الشاعر :
رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن جول الطوي رماني
وقوله : لتعلموا عدد السنين والحساب يقول : وقدر ذلك منازل لتعلموا أنتم أيها
الناس عدد السنين : دخول ما يدخل منها ، وانقضاء ما يستقبل منها وحسابها ، يقول :
وحساب أوقات السنين وعدد أيامها وحساب ساعات أيامها . ما خلق الله ذلك إلا بالحق
يقول جل ثناؤه : لم يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق ، يقول الحق تعالى
ذكره : خلقت ذلك كله بحق وحدي بغير عون ولا شريك . يفصل الآيات يقول : يبين
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 114
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص١١٤