قد تمنوا أن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . قال : وهذا والله أعلم لا يكون ، لأنهم لم
يتمنوا هذا ، إنما تمنوا الرد ، وأخبروا أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين . وكان بعض
نحويي الكوفة يقول : لو نصب نكذب ونكون على الجواب بالواو لكان صوابا قال :
والعرب تجيب بالواو وثم ، كما تجيب بالفاء ، يقولون : ليت لي مالا فأعطيك ، وليت لي
مالا وأعطيك وثم أعطيك . قال : وقد تكون نصبا على الصرف ، كقولك : لا يسعني
شئ ويعجز عنك .
وقال آخر منهم : لا أحب النصب في هذا ، لأنه ليس بتمن منهم ، إنما هو خبر أخبروا
به عن أنفسهم ألا ترى أن الله تعالى قد كذبهم فقال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنما
يكون التكذيب للخبر لا للتمني . وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب بالواو ، وبحرف غير
الفاء ، وكان يقول : إنما الواو موضع حال ، لا يسعني شئ ويضيق عنك : أي وهو يضيق
عنك . قال : وكذلك الصرف في جميع العربية . قال : وأما الفاء فجواب جزاء ، ما قمت
فأتيك : أي لو قمت لأتيناك . قال : فهذا حكم الصرف والفاء . قال : وأما قوله : ولا
نكذب ونكون فإنما جاز ، لأنهم قالوا : يا ليتنا نرد في غير الحال التي وقفنا فيها على
النار ، فكان وقفهم في تلك ، فتمنوا أن لا يكونوا وقفوا في تلك الحالة . وكأن معنى صاحب
هذه المقالة في قوله هذا : ولو ترى إذ وقفوا على النار ، فقالوا : قد وقفنا عليها مكذبين
بآيات ربنا كفارا ، فيا ليتنا نرد إليها فنوقف عليها غير مكذبين بآيات ربنا ولا كفارا . وهذا
تأويل يدفعه ظاهر التنزيل ، وذلك قول الله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم
لكاذبون فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة ، والتكذيب لا يقع في التمني ، ولكن
صاحب هذه المقالة أظن به أنه لم يتدبر التأويل ولزم سنن العربية . والقراءة التي لا أختار
غيرها في ذلك : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بالرفع في كليهما ،
بمعنى : يا ليتنا نرد ، ولسنا نكذب بآيات ربنا إن رددنا ، ولكنا نكون من المؤمنين على
وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردوا إلى الدنيا ، لا على التمني منهم أن لا يكذبوا بآيات
ربهم ويكونوا من المؤمنين لان الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا
عنه ، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك . ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 232
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٢٣٢