تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
قد تمنوا أن لا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . قال : وهذا والله أعلم لا يكون ، لأنهم لم يتمنوا هذا ، إنما تمنوا الرد ، وأخبروا أنهم لا يكذبون ويكونون من المؤمنين . وكان بعض نحويي الكوفة يقول : لو نصب نكذب ونكون على الجواب بالواو لكان صوابا قال : والعرب تجيب بالواو وثم ، كما تجيب بالفاء ، يقولون : ليت لي مالا فأعطيك ، وليت لي مالا وأعطيك وثم أعطيك . قال : وقد تكون نصبا على الصرف ، كقولك : لا يسعني شئ ويعجز عنك . وقال آخر منهم : لا أحب النصب في هذا ، لأنه ليس بتمن منهم ، إنما هو خبر أخبروا به عن أنفسهم ألا ترى أن الله تعالى قد كذبهم فقال : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنما يكون التكذيب للخبر لا للتمني . وكان بعضهم ينكر أن يكون الجواب بالواو ، وبحرف غير الفاء ، وكان يقول : إنما الواو موضع حال ، لا يسعني شئ ويضيق عنك : أي وهو يضيق عنك . قال : وكذلك الصرف في جميع العربية . قال : وأما الفاء فجواب جزاء ، ما قمت فأتيك : أي لو قمت لأتيناك . قال : فهذا حكم الصرف والفاء . قال : وأما قوله : ولا نكذب ونكون فإنما جاز ، لأنهم قالوا : يا ليتنا نرد في غير الحال التي وقفنا فيها على النار ، فكان وقفهم في تلك ، فتمنوا أن لا يكونوا وقفوا في تلك الحالة . وكأن معنى صاحب هذه المقالة في قوله هذا : ولو ترى إذ وقفوا على النار ، فقالوا : قد وقفنا عليها مكذبين بآيات ربنا كفارا ، فيا ليتنا نرد إليها فنوقف عليها غير مكذبين بآيات ربنا ولا كفارا . وهذا تأويل يدفعه ظاهر التنزيل ، وذلك قول الله تعالى : ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون فأخبر الله تعالى أنهم في قيلهم ذلك كذبة ، والتكذيب لا يقع في التمني ، ولكن صاحب هذه المقالة أظن به أنه لم يتدبر التأويل ولزم سنن العربية . والقراءة التي لا أختار غيرها في ذلك : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بالرفع في كليهما ، بمعنى : يا ليتنا نرد ، ولسنا نكذب بآيات ربنا إن رددنا ، ولكنا نكون من المؤمنين على وجه الخبر منهم عما يفعلون إن هم ردوا إلى الدنيا ، لا على التمني منهم أن لا يكذبوا بآيات ربهم ويكونوا من المؤمنين لان الله تعالى ذكره قد أخبر عنهم أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ، وأنهم كذبة في قيلهم ذلك . ولو كان قيلهم ذلك على وجه التمني لاستحال تكذيبهم
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 232 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار