تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
والفعل ، فتقول : جعلت أفعل كذا ، وجعلت أقوم وأقعد ، تدل بقولها جعلت على اتصال الفعل ، كما تقول : علقت أفعل كذا ، لا أنها في نفسها فعل ، يدل على ذلك قول القائل : جعلت أقوم ، وأنه لا جعل هناك سوى القيام ، وإنما دل بقوله جعلت على اتصال الفعل ودوامه ، ومن ذلك قول الشاعر : وزعمت أنك سوف تسلك فاردا * والموت متسع طريقي قادر فاجعل تحلل من يمينك إنما * حنث اليمين على الأثيم الفاجر يقول فاجعل تحلل بمعنى : تحلل شيئا بعد شئ ، لا أن هناك جعلا من غير التحليل . فكذلك كل جعل في الكلام إنما هو دليل على فعل له اتصال ، لا أن له خطا في معنى الفعل فقوله : وجعل الظلمات والنور إنما هو أظلم ليلهما وأنار نهارهما . القول في تأويل قوله تعالى : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون . يقول تعالى ذكره معجبا خلقه المؤمنين من كفرة عباده ومحتجا على الكافرين : إن الاله الذي يجب عليكم أيها الناس حمده هو الذي خلق السماوات والأرض ، الذي جعل منهما معايشكم وأقواتكم وأقوات أنعامكم التي بها حياتكم ، فمن السماوات ينزل عليكم الغيث وفيها تجري الشمس والقمر باعتقاب واختلاف لمصالحكم ، ومن الأرض ينبت الحب الذي به غذاؤكم والثمار التي فيها ملاذكم ، مع غير ذلك من الأمور التي فيها مصالحكم ومنافعكم بها . والذين يجحدون نعمة الله عليهم بما أنعم به عليهم من خلق ذلك لهم ولكم أيها الناس بربهم الذي فعل ذلك وأحدثه يعدلون : يجعلون له شريكا في عبادتهم إياه ، فيعبدون معه الآلهة والأنداد والأصنام والأوثان ، وليس منها شئ شركه في خلق شئ من ذلك ولا في إنعامه عليهم بما أنعم به عليهم ، بل هو المنفرد بذلك كله ، وهم يشركون في عبادتهم إياه غيره . فسبحان الله ما أبلغها من حجة وأوجزها من عظة ، لمن فكر فيها بعقل وتدبرها بفهم ولقد قيل إنها فاتحة التوراة . 10158 - حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ، عن أبي عمران الجوني ، عن عبد الله بن رباح ، عن كعب ، قال : فاتحة التوراة فاتحة الانعام : الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 192 | محمد بن جرير الطبري / الشيخ خليل الميس / صدقي جميل العطار