تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
رسوله ، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم . * ( والكتاب الذي نزل على رسوله ) * يقول : وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه ، وذلك القرآن . * ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) * يقول : وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد ( ص ) وهو التوراة والإنجيل . فإن قال قائل : وما وجه دعاء هؤلاء إلى الايمان بالله ورسوله وكتبه وقد سماهم مؤمنين ؟ قيل : إنه جل ثناؤه لم يسمهم مؤمنين ، وإنما وصفهم بأنهم آمنوا ، وذلك وصف لهم بخصوص من التصديق ، وذلك أنهم كانوا صنفين : أهل توراة مصدقين بها وبمن جاء بها ، وهم مكذبون بالإنجيل والقرآن وعيسى ومحمد صلوات الله عليهما ، وصنف أهل إنجيل وهم مصدقون به وبالتوراة وسائر الكتب ، مكذبون بمحمد ( ص ) والفرقان . فقال جل ثناؤه لهم : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * يعني : بما هم به مؤمنون من الكتب والرسل ، * ( آمنوا بالله ورسوله ) * محمد ( ص ) ، * ( والكتاب الذين نزل على رسوله ) * فإنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله تجدون صفته في كتبكم ، * ( وبالكتاب الذين أنزل من قبل ) * الذي تزعمون أنكم به مؤمنون ، فإنكم لن تكونوا به مؤمنين وأنتم بمحمد مكذبون ، لان كتابكم يأمركم بالتصديق به وبما جاءكم به ، فآمنوا بكتابكم في اتباعكم محمدا ، وإلا فأنتم به كافرون . فهذا وجه أمرهم بالايمان بما أمرهم بالايمان به ، بعد أن وصفهم بما وصفهم بقوله : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * . وأما قوله : * ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ) * فإن معناه : ومن يكفر بمحمد ( ص ) فيجحد نبوته ، فهو يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، لان جحود الشئ من ذلك بمعنى جحوده جميعه ، وذلك لأنه لا يصح إيمان أحد من الخلق إلا بالايمان بما أمره الله بالايمان به ، والكفر بشئ منه كفر بجميعه ، فلذلك قال : * ( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ) * بعقب خطابه أهل الكتاب ، وأمره إياهم بالايمان بمحمد ( ص ) تهديدا منه لهم ، وهم مقرون بوحدانية الله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر سوى محمد ( ص ) وما جاء به من الفرقان . وأما قوله : * ( فقد ضل ضلالا بعيدا ) * فإنه يعني : فقد ذهب عن قصد السبيل ، وجار عن محجة الطريق إلى المهالك ذهابا وجورا بعيدا ، لان كفر من كفر بذلك خروج منه عن دين الله الذي شرعه لعباده ، والخروج عن دين الله : الهلاك الذي فيه البوار ، والضلال عن الهدى هو الضلال . القول في تأويل قوله تعالى : *