تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما ) * . . يعني بقوله جل ثناؤه : * ( ولولا فضل الله عليك ورحمته ) * ولولا أن الله تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن ، فكففت لذلك عن الجدال عنه ، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله ، * ( لهمت طائفة منهم ) * يقول : لهمت فرقة منهم ، يعني من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم ، * ( أن يضلوك ) * يقول : يزلوك عن طريق الحق ، وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه ( ص ) وشهادتهم للخائن عنده بأنه برئ مما ادعى عليه ، ومسألتهم إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته في أصحابه ، فقال الله تبارك وتعالى : وما يضل هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم في أمر هذا الخائن درع جاره ، إلا أنفسهم . فإن قال قائل : ما كان وجه إضلالهم أنفسهم ؟ قيل : وجه إضلالهم أنفسهم : أخذهم بها في غير ما أباح الله لهم الاخذ بها فيه من سبله ، وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان تقدم إليهم فيما تقدم في كتابه على لسان رسوله إلى خلقه بالنهي عن أن يتعاونوا على الاثم والعدوان والامر بالتعاون على الحق ، فكان من الواجب لله فيمن سعى في أمر الخائنين الذين وصف الله أمرهم بقوله : * ( ولا تكن للخائنين خصيما ) * معاونة من ظلموه دون من خاصمهم إلى رسول الله ( ص ) في طلب حقه منهم ، فكان سعيهم في معونتهم دون معونة من ظلموه ، أخذا منهم في غير سبيل الله ، وذلك هو إضلالهم أنفسهم ، الذي وصفه الله فقال : * ( وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ ) * وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته من شئ ، لان الله مثبتك ومسددك في أمورك ومبين لك أمر من سعوا في ضلالك عن الحق في أمره وأمرهم ، ففاضحه وإياهم . وقوله : * ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) * يقول : ومن فضل الله عليك يا محمد مع سائر ما تفضل به عليك من نعمه ، أنه أنزل عليك الكتاب ، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شئ ، وهدى وموعظة ، * ( والحكمة ) * : يعني وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة ، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره ، من حلاله وحرامه ، وأمره ونهيه وأحكامه ، ووعده ووعيده . * ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) * من خبر الأولين والآخرين ، وما كان ، وما هو كائن قبل ، ذلك من فضل الله عليك يا محمد مذ خلقك ، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك بالتمسك بطاعته ، والمسارعة إلى رضاه ومحبته ، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته ،