العمد ، والاثم لا يكون إلا من العمد ، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما ، فقال : ومن يأت
خطيئة على غير عمد منه لها ، أو إثما على عمد منه ثم يرم به بريئا ،
يعني ثم يصف ما أتى من خطئه أو إثمه الذي تعمده بريئا مما أضافه إليه ونحله إياه ، * ( فقد
احتمل بهتانا وإثما مبينا ) * يقول : فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذبا وإثما عظيما ، يعني
وجرما عظيما على علم منه وعمد لما أتى من معصيته وذنبه .
واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : * ( بريئا ) * بعد إجماع جميعهم على أن
الذي رمى البرئ من الاثم الذي كان أتاه ابن أبيرق الذي وصفنا شأنه قبل . فقال بعضهم :
عنى الله عز وجل بالبرئ رجلا من المسلمين يقال له لبيد بن سهل .
وقال آخرون : بل عنى رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين ، وقد ذكرنا الرواية
عمن قال ذلك فيما مضى . وممن قال كان يهوديا ، ابن سيرين .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا غندر ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن
ابن سيرين : * ( ثم يرم به بريئا ) * قال : يهوديا .
حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا بدل بن المحبر ، قال : ثنا شعبة ، عن خالد ،
عن ابن سيرين ، مثله .
وقيل : * ( يرم به بريئا ) * بمعنى : ثم يرم بالاثم الذي أتى هذا الخائن من هو برئ مما
رماه به ، فالهاء في قوله به عائدة على الاثم ، ولو جعلت كناية من ذكر الاثم والخطيئة كان
جائزا ، لان الأفعال وإن اختلفت العبارات عنها فراجعة إلى معنى واحد بأنها فعل .
وأما قوله : * ( فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) * فإن معناه : فقد تحمل هذا الذي رمي بما
أتى من المعصية وركب من الاثم والخطيئة من هو برئ مما رماه به من ذلك بهتانا ، وهو ا
لفرية والكذب ، وإثما مبينا ، يعني وزرا مبينا ، يعني أنه يبين عن أمر عمله وجراءته على ربه
وتقدمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمره . القول في تأويل قوله تعالى : *
( ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 372
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٧٢