تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
قالوا : فظاهر هذا القول وصف الممدوح بأن فيه المثالب والمعايب ، ومعلوم أن معناه : أنه لا مثالب فيه ولا معايب ، لان من وصف رجلا بأن فيه معايب وإن وصف الذي فيه المعايب بالقلة ، فإنما ذمه ولم يمدحه ، ولكن ذلك على ما وصفنا من نفي جميع المعايب عنه . قالوا : فكذلك قوله : * ( لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) * إنما معناه : لاتبعتم جميعكم الشيطان . وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال : عنى باستثناء القليل من الإذاعة ، وقال : معنى الكلام : وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلا ، ولو ردوه إلى الرسول . وإنما قلنا : إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا ، وغير جائز أن يكون من قول : * ( لاتبعتم الشيطان ) * لان من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من تباع الشيطان ، وغير جائز أن نحمل معاني كتاب الله على غير الأغلب المفهوم بالظاهر من الخطاب في كلام العرب ، ولنا إلى حمل ذلك على الأغلب من كلام العرب سبيل فنوجهه إلى المعنى الذي وجهه إليه القائلون : معنى ذلك : لاتبعتم الشيطان جميعا ، ثم زعم أن قوله : * ( إلا قليلا ) * دليل على الإحاطة بالجميع . هذا مع خروجه من تأويل أهل التأويل لا وجه له ، وكذلك لا وجه لتوجيه ذلك إلى الاستثناء من قوله : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * لان علم ذلك إذا رد إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم ، فبينه رسول الله ( ص ) وأولو الامر منهم بعد وضوحه لهم ، استوى في علم ذلك كل مستنبط حقيقة ، فلا وجه لاستثناء بعض المستنبطين منهم وخصوص بعضهم بعلمه مع استواء جميعهم في علمه . وإذ كان لا قول في ذلك إلا ما قلنا ، ودخل هذه الأقوال الثلاثة ما بينا من الخلل ، فبين أن الصحيح من القول في ذلك هو الرابع ، وهو القول الذي قضينا له بالصواب من الاستثناء من الإذاعة . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) * . .