تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
وإنما هذا تعريض من الله تعالى ذكره لهؤلاء المنافقين بأن تركهم طاعة الله وطاعة رسوله والرضا بحكمه ، إنما هو للسابق لهم من خذلانه وغلبة الشقاء عليهم ، ولولا ذلك لكانوا ممن أذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) * . يعني بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين ، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا صدودا ، إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الاثم في احتكامهم إلى الطاغوت وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله ، إذا دعوا إليها جاؤوك يا محمد حين فعلوا ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك ، جاؤوك تائبين منيبين ، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم ، وسأل لهم الله رسوله ( ص ) مثل ذلك . وذلك هو معنى قوله : * ( فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ) * . وأما قوله : * ( لوجدوا الله توابا رحيما ) * فإنه يقول : لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنوبهم لوجدوا الله توابا ، يقول : راجعا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون ، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه . وقال مجاهد : عني بذلك : اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : * ( ظلموا أنفسهم ) * . . . إلى قوله : * ( ويسلموا تسليما ) * قال : إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف . القول في تأويل قوله تعالى : * ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) * . . يعني جل ثناؤه بقوله : * ( فلا ) * فليس الامر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك إذا دعو إليك يا محمد . واستأنف القسم جل ذكره ، فقال : * ( وربك ) * يا محمد * ( لا يؤمنون ) * أي لا يصدقون بي وبك ، وبما أنزل إليك ، * ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) * يقول : حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من