فقيل له : إن وجع الملك قد أعيا الأطباء قبلك ، ليس من طبيب يداويه ، ولا يفئ دواؤه
شيئا إلا أمر به فصلب ، قال : أدخلوني عليه فإني سأبرأه ، فأدخل عليه ، فأخذ برجل الملك
فضربه بعصاه حتى مات ، فجعل يضربه بعصاه وهو ميت ، ويقول : قم بإذن الله ، فأخذ
ليصلب ، فبلغ عيسى ، فأقبل إليه وقد رفع على الخشبة ، فقال : أرأيتم إن أحييت لكم
صاحبكم أتتركون لي صاحبي ؟ قالوا : نعم ، فأحيى الله الملك لعيسى ، فقام وأنزل اليهودي ،
فقال : يا عيسى أنت أعظم الناس علي منة ، والله لا أفارقك أبدا ، قال عيسى - فيما حدثنا به
محمد بن الحسين بن موسى ، قال : ثنا أحمد بن المفضل قال أسباط ، عن السدي -
لليهودي : أنشدك بالذي أحيى الشاة والعجل بعد ما أكلناهما ، وأحيا هذا بعد ما مات ،
وأنزلك من الجذع بعد ما رفعت عليه لتصلب كم كان معك رغيفا ، قال : فحلف بهذا كله ما
كان معه إلا رغيف واحد ، قال : لا بأس ، فانطلقا حتى مرا على كنز قد حفرته السباع
والدواب ، فقال اليهودي يا عيسى : لمن هذا المال ، قال عيسى : دعه ، فإن له أهلا يهلكون
عليه ، فجعلت نفس اليهودي تطلع إلى المال ، ويكره أن يعصي عيسى ، فانطلق مع عيسى
ومر بالمال أربعة نفر ، فلما رأوه ، اجتمعوا عليه ، فقال اثنان لصاحبيهما : انطلقا فابتاعا لنا
طعاما وشرابا ودواب نحمل عليها هذا المال ، فانطلق الرجلان فابتاعا دواب وطعاما
وشرابا ، وقال أحدهما لصاحبه : هل لك أن نجعل لصاحبينا في طعامهما سما ، فإذا أكلا
ماتا ، فكان المال بيني وبينك ، فقال الآخر نعم ، ففعلا ، وقال الآخران : إذا ما أتيانا
بالطعام ، فليقم كل واحد إلى صاحبه فيقتله ، فيكون الطعام والدواب بيني وبينك ، فلما جاءا
بطعامهما قاما فقتلاهما ، ثم قعدا على الطعام ، فأكلا منه فماتا ، وأعلم ذلك عيسى ، فقال
لليهودي : أخرجه حتى نقتسمه ، فأخرجه فقسمه عيسى بين ثلاثة ، فقال اليهودي : يا عيسى
اتق الله ولا تظلمني ، فإنما هو أنا وأنت ، ما هذه الثلاثة ؟ قال له عيسى هذا لي ، وهذا لك ،
وهذا الثلث لصاحب الرغيف ، قال اليهودي : فإن أخبرتك بصاحب الرغيف تعطيني هذا
المال ؟ فقال عيسى : نعم ، قال أنا هو ، قال : عيسى : خذ حظي وحظك وحظ صاحب
الرغيف ، فهو حظك من الدنيا والآخرة ، فلما حمله مشى به شيئا ، فخسف به ، وانطلق
عيسى ابن مريم ، فمر بالحواريين وهم يصطادون السمك ، فقال : ما تصنعون ؟ فقالوا :
جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 389
مساهمون: محمد بن جرير الطبري
ص٣٨٩