تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البيان عن تأويل آي القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
للتأويل ، كما قد ذكرنا آنفا أنهم يؤنثون فعل الذكر للفظ ، فكذلك يذكرون فعل المؤنث أيضا للفظ . واعتبروا ذلك فيما أرى بقراءة يذكر أنها قراءة عبد الله بن مسعود ، وهو ما : حدثني به المثنى ، قال : ثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : ثنا عبد الرحمن بن أبي حماد أن قراءة ابن مسعود : فناداه جبريل وهو قائم يصلي في المحراب . وكذلك تأول قوله : * ( فنادته الملائكة ) * جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : * ( فنادته الملائكة ) * وهو جبريل - أو : قالت الملائكة ، وهو جبريل - * ( أن الله يبشرك بيحيى ) * . فإن قال قائل : وكيف جاز أن يقال على هذا التأويل : * ( فنادته الملائكة ) * والملائكة جمع لا واحد ؟ قيل : ذلك جائز في كلام العرب بأن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع ، كما يقال في الكلام : خرج فلان على بغال البرد ، وإنما ركب بغلا واحدا ، وركب السفن ، وإنما ركب سفينة واحدة ، وكما يقال : ممن سمعت هذا الخبر ؟ فيقال : من الناس ، وإنما سمعه من رجل واحد ، وقد قيل : إن منه قوله : * ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ) * ، والقائل كان فيما ذكر واحدا ، وقوله : * ( وإذا مس الناس ضر ) * ، والناس بمعنى واحد ، وذلك جائز عندهم فيما لم يقصد فيه قصد واحد . وإنما الصواب من القول عندي في قراءة ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، أعني التاء والياء ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب ، وذلك أنه لا اختلاف في معنى ذلك باختلاف القرائين ، وهما جميعا فصيحتان عند العرب ، وذلك أن الملائكة إن كان مرادا بها جبريل كما روي عن عبد الله فإن التأنيث في فعلها فصيح في كلام العرب للفظها إن تقدمها الفعل ، وجائز فيه التذكير لمعناها . وإن كان مرادا بها جمع الملائكة فجائز في فعلها التأنيث ، وهو من قبلها للفظها ، وذلك أن العرب إذا قدمت على الكثير من الجماعة فعلها أنثته ، فقالت : قالت النساء ، وجائز التذكير في فعلها بناء على الواحد إذا تقدم فعله ، فيقال : قال الرجال .